الجمعة - 15 مايو 2026

الديمقراطية في التنظيم السياسي.. ترفٌ أم ضرورة؟!

منذ 12 شهر
الجمعة - 15 مايو 2026

سالم رحيم عبد الحسن ||
3/6/2025

 

لم تكن الديمقراطية يومًا من ملامح ثقافتنا السياسية التقليدية، لا في بعدها الإسلامي ولا العربي. فقد نشأت مجتمعاتنا على أنماط حكم تستند إلى المرجعية الدينية أو الزعامة العشائرية، أو إلى سلطة الفرد الذي يحتكر القرار ويحتفي بالبقاء الطويل. غير أن الزمن تغيّر، والعالم من حولنا تبدّل، ولم يعد من الممكن أن نظل خارج دائرة التحولات التي يشهدها الفكر السياسي المعاصر.

في هذا السياق، باتت الديمقراطية – بكل ما تحمله من آليات وأفكار – حاجة ملحّة أكثر منها خيارًا تجميليًا. خصوصًا حين ننظر إلى التجارب التي خاضتها بعض الدول الإسلامية في هذا الميدان، وأبرزها إيران بعد عام 1979،

حيث لم تكتف بشعارات الثورة، بل عمدت إلى بناء نظام سياسي يمزج بين الانتخاب والمرجعية الدينية، في تجربة أثارت الكثير من الجدل لكنها في النهاية أكدت إمكانية التوفيق بين الخصوصية الثقافية ومتطلبات العصر.وإذا كان النموذج الإيراني قدّم رؤية “محلية” للديمقراطية،

فإن الأحزاب الغربية ذهبت أبعد من ذلك، فأسّست الديمقراطية داخل تنظيماتها قبل أن تطالب بها على مستوى الدولة. ففي بلدان مثل ألمانيا وبريطانيا والولايات المتحدة، تُنتخب القيادات الحزبية بشكل دوري، وتُحاسَب علنًا، ويُمنع بقاؤها في مواقعها إلى أجل غير مسمّى.الأمر لا يتعلق فقط بنظام انتخابي،

بل بثقافة مؤسسية قائمة على الشفافية، وتداول المسؤولية، ومحاسبة الأداء.وقد أثبتت الدراسات النفسية والسياسية أن السلطة حين تطول، تُحدث تحوّلًا في شخصية من يمتلكها. فالقائد الذي يبقى في موقعه سنوات طويلة يبدأ في التماهي مع الكرسي، ويشعر بأنه الخيار الوحيد، ويتحوّل من ممثل للإرادة العامة إلى حاكم مطلق.

من هنا جاءت فلسفة تحديد مدة الرئاسة في الدول الديمقراطية، كما هو الحال في الولايات المتحدة التي لا تتيح للرئيس البقاء أكثر من ولايتين، أي ثماني سنوات فقط.وهذا التحديد لم يأتِ من فراغ، بل استند إلى بحوث معمقة خلصت إلى أن طول البقاء في الحكم يُغذّي التسلط، ويُضعف المحاسبة، ويفسد الحياة السياسية.للأسف،

لا تزال بعض الأنظمة في منطقتنا تتجاهل هذه الحقائق، وتتعامل مع السلطة كـ”حق أبدي”، بل وتعدّ بقاء الحاكم لفترات طويلة دليلاً على “شرعية شعبية” مستمرة، في مفارقة سياسية لا تخلو من السخرية.

أما في ما يخص الأحزاب والتيارات والتنظيمات، فالسؤال الأهم اليوم: هل تستطيع هذه الكيانات أن تطالب بالديمقراطية العامة وهي لا تمارسها في داخلها؟الواقع يقول:

لا. فلا معنى لحزب ينادي بالإصلاح وهو يحتكر قراراته بيد شخص أو مجموعة ضيقة، ولا معنى لحركة تدعو إلى الحرية وهي تقمع رأي أعضائها المخالفين.فبنية الحزب، وآلية اتخاذ القرار فيه، ودورية انتخاب قياداته، واحترام أصوات أعضائه، هي المعايير التي تقيس مدى صدقه في تبنّي الديمقراطية.

أما حين تتحول الأحزاب إلى “ملكيات سياسية” أو جماعات مغلقة تقوم على الولاء لا الكفاءة، فإنها تفقد قيمتها وتتحول إلى عبء على النظام السياسي بدل أن تكون رافعة له في النهايةالديمقراطية ليست ترفًا تنظيميًا، ولا ترفًا فكريًا، بل ضرورة تاريخية وسياسية وأخلاقية.

المطلوب اليوم ديمقراطية تبدأ من الداخل، تتصالح مع الهوية، لكنها لا تنغلق عليها؛ تستلهم من تجارب العالم، لكنها تصوغ تجربتها بما يلائم بيئتها. ديمقراطية حقيقية تُمارَس لا تُقال، وتُبنى في التفاصيل اليومية قبل أن تُرفع في الشعارات الكبرى.