عظماءُ الظلّ..!
كوثر العزاوي ||

ثمّة عظماء ليسوا في صفحات التأريخ، لكنهم عظماء!. لانّ العظمة ليست حكرًا على النابغين الذين ازدحمت بهم كتبُ السّيَر، وتغنّى بهم التاريخ، وتناقل أخبارهم الناس (باستثناء آل محمد عليهم السلام).
كما لم تكن العظمة حكرًا على مَن خَبَرَ تأريخ الملوك وكبار قادة الدول والشعوب، ولا على مَن تُزيِّن صورُهم الصحف، وتُرصِّع أقوالهم واجهات المجلات وأروقة الفضاء المجازي.
العظمة أحيانًا، تسكن الزوايا الهادئة،
في وجهٍ صامتٍ يخبّئ صبره راضيًا، وفي قلبٍ أتقن فنَّ الثبات في مقاومة العواصف الهوجاء في زمن غلبَ عليه الصخب، وفي روحٍ اجتازت شقاء الأيام دون أن تفرّط بذَرّةٍ من إيمان، أو تنحني لإغراء أو ما يثير الأهواء.
ثمة عظماء لم يحملوا ألقابًا، لكنهم حملوا أوجاعًا أثقلَ من الجبال، ومضَوا بها قانعين، لم يسألوا الناس أجرًا ولامدحا، ولم يبيعوا مبادئهم على أرصفة الحاجة والأنا. ليس لأنهم فقط عظماء، بل لأنهم أتقياء، قد شرَوا الحياة الدنيا بالآخرة، مع ما فيها من مباحات وخيرات، وغضّوا الطرف عن لذّاتها، رغم قدرتهم عليها، ونأَوْوا بأنفسهم عن وَهَجِ الشهرة، فآثروا رضا الله على الراحة العابرة.
كانوا ظلًّا لمن أحبّوا، وخَدَمًا لِمَن اقتدى بهم، بسطوا أجنحتهم فوق رؤوس الضعفاء، واكتَوَوْا بحرِّ الشمس، كي لا يَشعُر مَنِ استظلّ بهم بشيء من لهيبها،
وأخفَوا أنينهم ببراعة الحكمة، كي لا يُقلِقوا قلوبًا قد تَقوَّت بهم، أو يهزّوا ثقةً قد اتكأت عليهم.
فعظَمتهم تَجلّت في أنهم اجتازوا مصاعب الحياة من غير أن تلوّثهم الماديات، ولم تنل المحنُ من دينهم ومبادئهم.
كانت عظمتهم. بأنهم قبِلوا تحمّل مسؤولية الخلافة في الأرض يوم عُرِضت عليهم من قِبَل الباري “عزوجل” قائلًا {إنّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ عَلَی السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ الْجِبالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها وَ أَشْفَقْنَ مِنْها وَ حَمَلَهَا الْإِنْسانُ إِنَّهُ كانَ ظَلُوماً جَهُولاً } الأحزاب ٧٢.
فحمَلوها ومضَوا مستأنسين مُصرّين على ألّا يستسلموا.
إذ صاروا خيمة ظلٍّ للمستضعفين،
وما التفتوا يومًا يبحثون عن الإعجاب، ولا انتزعوا التقدير ، ولا استهواهم التصفيق، ولا عرَفوا طريق الشهرة، كان همّهم وجه الله، ورضا الضمير، ومزيدًا من العطاء في زمنٍ شحيحٍ بالنزاهة والوفاء، فتَثَبّتوا حتى لا يسقطوا في حبائل الدنيا.
لذا لم تذكرهم الصحف، ولم تروّج لهم فضائيات العصر، فسطعَ في فضاء الله نَجْمهم، فغدَوْا مصاديق ناصعة لقيمِ العظمة المتوارية خلف الأضواء، أولئك مظهرُ الصدق، ونموذجُ الإخلاص، وصورة مما أراد الله لعباده، ليباهِي بهم الملائكة!.
٢-ذو الحجة-١٤٤٦هجري
٣٠-أيار-٢٠٢٥ميلادي




