الثورة الإسلامية الإيرانية لا تُصدَّر: بل توقظ الشعوب..!
د. سوزان زين ||

في ٣٠ نيسان ٢٠٠٣، أجاب الإمام الخامنئي (دام ظله) بحكمةٍ ووضوح على واحدة من أكبر الدعاوى التي طُرحت ضد الثورة الإسلامية، وهي دعوى «تصدير الثورة».
كانت القوى الاستكبارية قد حاولت تصوير الثورة الإسلامية في إيران كأنها مشروع هيمنة أو امتداد سياسي عبر نقل النظام الإيراني إلى دول أخرى. لكن الإمام الخامنئي كعادته، أبطل هذه الحملة من خلال شرح بسيط وعميق في آن واحد.
قال الإمام الخامنئي: « العدو يطالبنا بأن لماذا تصدّرون ثورتكم؟ ونحن نقول له في معرض الرد: إننا لا نصدّر ثورتنا، بل إن ثورتنا صُدّرت وانتهى الأمر! أنتم الآن أمام امر واقع فتصدير الثورة ليس كتصدير بضاعة، بحيث يتم ذلك بشكل مستمر وبواسطة بعض الأشخاص. هو تصدير فكر، بمعنى أن هذا الفكر صحيح ويستقطب قلوب الناس في أقطار العالم».
في هذا القول البسيط يكمن الرد القاطع على التشويه المتعمد الذي حاولت القوى الغربية فرضه على الثورة. فالثورة كما وصفها الإمام، ليست سلعة مادية يمكن تصديرها من مكان لآخر، بل هي فكرة، روح، ووعي. والوعي الذي حملته الثورة الإسلامية ليس بحاجة إلى تسويق أو ترويج لأنّه ينطلق من عمق الحق والعدالة، وبالتالي فإنّها تصدّر نفسها من تلقاء نفسها.
بعدها قارن الإمام الخامنئي بين الثورة والزهور العطرة قائلاً: «الثورة كالرائحة العطرة للأزهار، تصدّر من تلقاء نفسها، لا تحتاج الثورة إلى شحن أو تعبئة، بل هي تنتشر بين الناس كما تنتشر رائحة الأزهار في الهواء، وهي كأنسام الربيع التي تزيل الأجواء الخانقة والمتعفنة، فتبدلها بهواء نقي يُنعش الأرواح».
هذه الكلمات تبرز طبيعة الثورة الإسلامية، التي كانت ولادة جديدة لروح من الحرية والحق، والعدالة التي لا يمكن كبحها.
إذا كان البعض قد نظر إلى الثورة الإسلامية على أنها مجرد حدث محلي أو مرحلة زمنية في تاريخ إيران، فإن الإمام الخامنئي يوضح أنها ثورة عالمية تتجاوز الحدود الجغرافية، لا تحتاج إلى «تصدير» لأنها جزء من فطرة الإنسان الذي يسعى للحرية والكرامة.
اليوم، وبعد أكثر من أربعين عاماً على الثورة الإسلامية، أصبح هذا الفكر الذي صَدَّره الإمام الخميني (قده)، ومن بعده الإمام الخامنئي (دام ظله)، واضحاً في كثير من مناطق العالم، من فلسطين إلى لبنان واليمن والعراق والبحرين وغيرها، حيث لم تعد فكرة المقاومة مجرد فكرة سياسية، بل أصبحت نهج حياة وأساساً لمقاومة الظلم والاحتلال، فُهمت وتلقفها المظلومون أينما كانوا، لأنها حملت خطاباً عابراً للحدود، قائماً على التحرر من الهيمنة ونصرة المستضعفين ورفض الظلم.
الإمام الخامنئي في كلامه أعطى الثورة الإسلامية مكانتها الأصلية، كفكر ينبع من وجدان الأمة، ولا يمكن محاصرته أو تقليصه إلى حدود الجغرافيا السياسية.
«الثورة» هي كما وصفها: رائحة عطرة تملأ الأفق وتغير الواقع من تلقاء نفسها، دون الحاجة إلى من يُصدّرها.
نحن اليوم نعيش هذه الحقيقة: ثورة فكرية وروحية تتجدد وتنتشر عبر الزمن والمكان، لا تهدأ ولا تتوقف حتى تحقق العدالة في كل زاوية من العالم.
العدو بكل منظوماته السياسية والإعلامية، حاول تشويه هذا المسار عبر اتهامه بالتمدد والتدخل، لكنه اصطدم بحقيقة أقوى من كل دعاياته: القلوب التي تعانقت مع فكر الثورة لأنها وجدت فيه ذاتها وهويتها.
والرد الحقيقي على العدو اليوم كما يوضح الإمام الخامنئي، لا يكون بالجدل بل بالثبات على هذا النهج وبتكريس هذا الوعي في نفوس الأجيال القادمة، لأن الثورة في جوهرها لم تعد لحظة تاريخية، بل تحولت إلى هوية وضمير وامتداد حي في قلب كل مقاوم.




