الخميس - 14 مايو 2026

التصنيف الفقهي لعلاقتنا بأمريكا..!

منذ 12 شهر
الخميس - 14 مايو 2026

رياض البغدادي ||

 

يصنف الفقه الإسلامي دول العالم غير الإسلامية بأنها دول كفر، وعلى أساس ذلك، يشرع الفقهاء الأحكام الشرعية لمن يعيش فيها من المسلمين. وهناك أيضاً أحكام خاصة بطهارة أو نجاسة ما يستورده المسلمون من هذه الدول. فالجلود المستوردة من دول الكفر تُعتبر جلوداً نجسة، ولا بد من اتباع الطرق الشرعية بالتعامل مع الألبسة المتخذة من هذه الجلود. واللحوم المستوردة منهم هي لحوم غير مذكاة ولا يجوز أكلها، وغير ذلك من الأحكام في الأطعمة والأشربة وباقي أبواب الفقه.

إلا أن الفقه الإسلامي لا يصنف بلاد الكفر تصنيفاً واحداً؛ فهناك دول كافرة محاربة ودول كافرة غير محاربة.

روسيا أو فرنسا أو الصين هي بلا شك دول كافرة، لكننا نتعامل معها على أنها دول صديقة؛ نبيع لها ونشتري منها، ولنا ممثليات دبلوماسية متبادلة معها، بل يُتاح لها أن تقوم ببعض النشاطات الثقافية والاجتماعية في بلادنا، بحدود عدم التجاوز على القيم الخاصة بمجتمعاتنا.

وهناك دول يصنفها الفقه الإسلامي على أنها دول كافرة محاربة، وهذا التصنيف يترتب عليه بعض الأحكام الشرعية، مثل مقاطعة منتجاتها، وعدم التبادل بالبعثات الدبلوماسية، ومواجهتها، والحذر من ممارساتها، وتحين الفرص للإضرار بها وبمصالحها. ومن هذه الدول، أمريكا مثلاً.

فأمريكا دولة كافرة محاربة، ولا يمكن لنا التعامل معها إلا وفق قانون العداء والحرب المستمرة. وهذا الوضع مستمر وسيستمر إلى أن تغير أمريكا عداءها لبلدنا.

روسيا دولة كافرة لكنها غير محاربة بحسب التصنيف الفقهي، مع أن روسيا لها علاقات تعاون مع الكيان الصهيوني وتبادل خبرات في المجالات الأمنية والعسكرية والاقتصادية.

فنحن لا نفرض على الدول ما يجب وما لا يجب عليها أن تفعل في علاقاتها الدولية، ونحن أيضاً لنا الحرية في علاقاتنا الخارجية. فروسيا ليس لها الحق أن تفرض علينا أن نقطع علاقاتنا مع أوكرانيا، رغم أن أوكرانيا دولة معادية لروسيا. ونحن أيضاً لا نطلب من روسيا أن تقطع علاقاتها مع الكيان الصهيوني.

وهذا العرف الدبلوماسي سائد حتى بين الدول الإسلامية؛ فنحن لا نفرض على مصر أن تقطع علاقاتها مع الكيان الصهيوني، ورغم ذلك نطمح لعلاقات متبادلة متوازنة مع مصر، وكذلك مع الأردن والإمارات، وكلها دول لديها سفارات للكيان في عواصمها.

متى ستدرك أمريكا هذا الأمر وتغير منهجها العدائي تجاه بلدنا؟

نحن لا نطلب من أمريكا أن تقطع علاقتها بالكيان الصهيوني، فهذا شأنها. وعلى أمريكا أيضاً ألا تطالبنا بقطع علاقاتنا بالحوثيين وحزب الله، وبذلك نعيش أصدقاء ونتعامل بكل لطف واحترام، كما هي علاقتنا بروسيا وفرنسا واليونان وغيرها من بلدان العالم.

هل تتصورون أن أمريكا ستفهم هذا الأمر؟ وهل ستسعى لتغيير تصنيف دولتها من كافر محارب إلى كافر صديق؟

هذا ما يسعى له ترامب كما يدعي. والأيام ستثبت صدق ادعاءاته، ولكل حادث حديث.