الدكَات العشائرية لماذا تكثر في الجنوب وتندر في غيره؟!
علي عنبر السعدي ||

– دليل تخلف ؟؟ ام ضرورة حياتية ؟؟
الدكَات العشائرية ،هي رمز للتخلف والهمجية ،وخروج عن القانون وتمرد على أنظمة الدولة.
تلك العبارة هي واحدة من المقولات الراسخة في العقل العراقي ، ولأنها تظهر في الجنوب بشكل خاص ، فلابد ان سكان تلك المناطق متخلفون همجيون ،قياساَ بالمناطق التي لاتشيع بينها تلك الظاهرة .
لكن قبل الدخول في لعبة المع والضد ،والدفاع والادانة ، من المفيد تحليل تلك الظاهرة لتبيان أسبابها ودوافعها ،ولماذا وجدت واستمرت ؟؟
الدولة هي العشيرة الكبرى التي من حقها احتكار العنف وتطبيق ماتضعه من قوانين ، يفترض انها تساوي بين الجميع ،فهذا هو الاساس في فكرة الدولة ،لكن ماذا لو كانت الدولة حكراً على مناطق بعينها ؟؟
ماذا لو جاءت منحازة لفئات على حساب أخرى ؟؟
المتوقع من ذلك ،ان الفئات التي تحتكر السلطات في الدولة ،تحل مشكلاتها داخل الدولة ذاتها ،حتى يصبح ذلك عرفاً ،فتلك الفئات تشعر بأن الدولة ملكاً لها ، وبالتالي فهي القبيلة الغالبة – حسب المقولات المتوارثة منذ قريش – لذا يكون التوازن قائماً ،في مقدار ماتحصل عليه تلك العشائر والقبائل ،من مناصب مهمة في قيادة الدولة .
هذا الأمر سار أزمنة طويلة ،حيث تلك القبائل تلتقي مع الحاكم في المشترك المذهبي ،وبالتالي فهي سيف الحاكم وترسه .
على عكس ذلك ،عاشت عشائر وقبائل الجنوب ،فهي قد حرمت من عدالة الدولة ،واصبحت تنظر اليها باعتبارها (رافضة ) للحكم ومتمردة على الحاكم ،لفساد في عقيدتهم ،التي تضع الحاكمية حصراً في آل البيت ،وهو مايخالف معتقد وتوجهات الحاكميات .
وضع كهذا ،لايترك مجالاً للحماية سوى العشيرة ،سواء من جور السلطة ،أو تسلط العشائر الأخرى ، لذا ظهرت(الدكَات) على شكل ثورات وانتفاضات ضد الاقطاع كممثل للسلطات الحاكمة ،التي كانت غالباً ما تدعم الاقطاع بقوات الشرطة والجيش للدفاع عنه .
ولأن العشيرة المعتدى عليها ،اذا صمتت ولم ترد ،ستكون عرضة لاعتداءات وتجاوزات متكررة ، ويوصم رجالها بالجبن والتخاذل ، لذا تجد نفسها ملزمة وبحكم ما اصبح عرفاً ،ان تثبت بأنها قادرة على الحاق الأذى بالمعتدي ،اذا لم يتدارك الأمر ويأخذ هدنة (عطوة) يتبعها صلح .
هذه السلوكيات ،ومع مرور الزمن ، ومع حساب اضرارها واستثنائيتها ،أقامتْ نوعاً من توازن القوى ،وساهمت في ارساء نسبة من السلم الاهلي ،بين مجموعات سكانية لايحميها سوى قوتها الذاتية ،لمواجهة قوى ذاتية اخرى ،وقد ظهر ذلك جلياً في استطاعة المجتمع أن يحافظ على السلم الاهلي بواسطة تلك المعادلة (توازن القوى) .
استمرار تلك الممارسة (الدكَة) بدلالته الاجتماعية ،يشير الى ان تلك العشائر ،لم تزل على حذرها في نظرتها الى الدولة وكيفية تطبيقها للقانون ،وهي تعتبر ان السلطات تمثل الاحزاب السياسية ولا تمثلها كفئات اجتماعية ، كما ان تحصيل الحقوق بالقانون ،مازال بعيد المنال ، لذا تلجأ الى الطريقة المجرّبة والأكثر فاعلية ،العراق العشائري ونتائجه المضمونة غالباً .
ما الحل اذاً ؟؟




