حين يُختبر الصابرون..!
د. سوزان زين ||

حين يُختبر الصابرون: مدرسة الإمام زين العابدين (ع) في خطاب سماحة الشيخ نعيم قاسم اليوم
في التاريخ لحظات تتكرّر، لا في تفاصيلها بل في جوهرها، في ابتلاءاتها، وفي شكل الإختبار الذي يُوضع فيه أهل الحق حين يكونون في موقع «الوحدة»، أمام سيل من الشك والتشويه والخذلان.
ومن بين هذه اللحظات، نقف أمام تجربتين:
الأولى في قلب القرن الأول الهجري، والثانية في قلب واقعنا الراهن.
الإمام زين العابدين (عليه السلام)، الذي بقي وحيداً من أهل بيته بعد فاجعة كربلاء، لم يكن فقط «الناجي» بالبدن، بل الحامل لأثقل ميراث: ميراث الدم والرسالة معاً. كان وحيداً لا ناصر له في ظاهره، في زمن غلب فيه الجور، واستباح فيه بنو أمية كل حرمة، ومع ذلك لم يغيّر الإمام (ع) موقعه من الصدق والحق. لم ينكسر، لم يساوم، لم يبحث عن لحظة هدوء على حساب المبادئ. بل سار في خط الإمامة بثبات، حاملاً الحزن في قلبه والصبر في كفّه.
وفي مشهد اليوم، نرى سماحة الأمين العام لحزب الله سماحة الشيخ نعيم قاسم، في موقع شبيه من حيث طبيعة الاختبار: وحده في وجه حملات منظّمة، مشوّهة، مكثّفة، تحاول أن تفكّك صورة حزب الله من داخلها، عبر شخصه. هو ليس وحده بالمعنى التنظيمي، فمعه قيادة، وجمهور، وخط. لكنه يُوضع كشخص في واجهة الاستهداف، كما وُضع الإمام زين العابدين (ع) في موقع الغريب الوحيد بعد كربلاء.
كان عليه أن يحمل ذاكرة الإمام الحسين (ع)، ويروي حكاية الدم والكرامة في قلوب أُرعبت، وضمائر أُغرِقت بالدنيا.
ومع ذلك، لم يتراجع. لم يهادن. لم يساوم. وقف في مجلس يزيد متحدّثاً بكبرياء الإمامة، ورؤيا الشهادة، ليقول للأمة: حتى في قيد الذلّ، لا نسقط.
اليوم وبعد أربعة عشر قرناً، يقف سماحة الشيخ نعيم قاسم في مشهد شبيه، ولكن بأدوات الزمن المعاصر: استهداف ممنهج، تحريض وضغط نفسي وسياسي. يُراد منه أن يتراجع، أن يغيّر لهجته، أن يعتذر عن ثباته، أن يُراعي ذوق الخصوم وميولهم.
لكنه، على طريقة الإمام زين العابدين (ع)، اختار الصمت المعبّر، والثبات الصارخ، والوقوف في قلب العاصفة دون انكسار.
وما يضاعف هذا الصبر هو أنّ المعركة ليست فقط مع العدوّ الصهيوني المعروف والمرصود، بل مع أعداء الداخل، أولئك الذين يلبسون قناع الوطنية ويطعنون خاصرة الوطن. سماحة الأمين العام يعرف جيداً العدوّ الذي يحتلّ أرضنا ويقتل شعبنا، لكن الأصعب كان دوماً الطعنات من الخلف، من بعض من يعيش بيننا، ويشارك العدوّ هدفه: ضرب بيئة المقاومة وتشويه رموزها.
ورغم كل هذا، لا يردّ الشيخ نعيم قاسم على التافهين، ولا ينجرّ إلى مستوى الساقطين في الخطاب. صبره جهاد، وثباته حكمة، وسكوته موقف. لأنه يرى في كل هذا جزءاً من البلاء الذي مرّ به الأئمة من قبله، وعلى رأسهم الإمام زين العابدين (ع)، الذي لم يصرخ في وجه الظالمين فقط، بل ربّى أجيالًا على الوعي، والكرامة، والصبر الواعي.
إنها مدرسة الإمام الحسين (ع) في زمنٍ مختلف، وموقع من يعيد التذكير: أن الصبر ليس عجزاً، بل قوة أخلاقية وعقائدية.
وفي كلا الموقعين، الصبر هو الشعار والبصيرة هي البوصلة.




