الدولة الصفوية كيف نشأت وماهي خصوصياتها؟!
✍مانع الزاملي ||

الدولة الصفوية ليست تلك الصورة السوداء التي رُسمت لنا في كتب التاريخ التي كتبها خصومهم لانهم لم يخضعوا ،للسلطان المتجبر بل هي واحدة من أهم الدول الإسلامية التي خاضت معركة وجود وهوية ضد مشروع عثماني توسّعي كان يبتلع كل ما حوله باسم الخلافة.
نعم، الدولة الصفوية كانت شيعية المذهب.
لكنها أول من أسّس لنهضة علمية وفكرية وجمالية حقيقية في إيران بعد قرون من الاحتلال المغولي والتمزّق الداخلي.
أسّسوا عاصمة عظيمة: أصفهان، التي وصفها الرحالة الفرنسي “جان شاردان” في القرن الـ17 بأنها “أجمل مدينة في الشرق” و”مركز العالم الإسلامي”، وقال إنها كانت تفوق باريس ولندن بجمال التخطيط والفنون والعمارة.
في عهد الشاه عباس الكبير، تحوّلت أصفهان إلى درة الشرق الإسلامي، حيث ازدهرت المدارس والحرف والفلسفة، وتم بناء ساحة “نقش جهان” (ميدان الإمام اليوم) التي تُعدّ واحدة من أوسع وأجمل الساحات في العالم، وتحيط بها قباب ومساجد لا يزال المعماريون حتى اليوم يدرسون جمالها وتناسقها.
في الوقت الذي كانت فيه الدولة العثمانية تموّل فتاوى تكفير الشيعة وتطارد علماءهم، كانت الدولة الصفوية تبني هوية عقائدية ودستورية للتشيع، وتطوّر الفقه الشيعي الاثني عشري وتُنقّحه.
بل إن كثيرًا من العلماء الشيعة الذين طوّروا الفقه الجعفري الحديث عاشوا وازدهروا في عهد الصفويين، مثل العلامة المجلسي، صاحب موسوعة “بحار الأنوار”، التي أصبحت مرجعًا مركزيًا للفكر الشيعي الإمامي حتى اليوم.
هل فرض الصفويون التشيّع في إيران؟
نعم ولا!
فالتشيّع لم يكن غريبًا عن الإيرانيين، فمعظم سكانها كانوا صوفيين موالين لأهل البيت، وكانت مناطق مثل خراسان وكاشان وقم مراكز ولاء تاريخي للإمام علي وآل بيته.
التشيّع في إيران لم يُستورد، بل تمّ تقنينه وتحصينه وتطويره ليقاوم الزحف السني الرسمي القادم من إسطنبول.
الدولة الصفوية لم تكن معادية للسُنّة، كما ادّعى خصومها، بل احتضنت علماء كبارًا من السنّة الصوفيين.
الصراع الحقيقي لم يكن مذهبيًا بقدر ما كان سياسيًا وجوديًا:
الصفويون أرادوا استقلال المشرق الإسلامي عن هيمنة إسطنبول،
والعثمانيون أرادوا أن تبقى كل رقعة أرض من بغداد حتى الحجاز تحت سلطة السلطان الذي نصّب نفسه ظلّ الله على الأرض.
ولأنهم لم ينجحوا في إخضاعهم،
بدأوا بتشويههم.
اتهموهم بالمجوسية، بالكفر، بسبّ الصحابة، بنشر الفساد.
كلها روايات صيغت في بلاط السلاطين، ثم جُعلت لاحقًا من “ثوابت التاريخ الإسلامي”.
حتى اليوم، إذا انتقدت العثمانيين، قالوا لك: “صفوي!”
كأن كلمة “صفوي” تهمة بحد ذاتها.
ولكن حين تقرأ تاريخهم الحقيقي، ترى دولة حاولت أن تبني مشروعًا حضاريًا مستقلًا، حمت التشيّع من الإبادة، وصمدت في وجه واحدة من أقوى الإمبراطوريات العسكرية في العالم.
لا أمجّدهم، ولا أقول إنهم بلا خطايا،
ولكني أقول إننا ضحية بروباغندا عثمانية عمرها 500 سنة.
⸻




