الخليج: مشروع “البقرة الطيّعة”… من الحلب إلى المسلخ..!
كندي الزهيري ||

في دهاليز السياسة العالمية، لا تُقاس الدول بثرواتها، بل بثباتها في وجه الابتزاز، وقدرتها على اتخاذ القرار الحرّ.
وحين نُسلّط الضوء على منظومة مجلس التعاون الخليجي ، نرى مشهدًا يثير الشفقة أكثر مما يثير الإعجاب؛ مشهد لدول جمعت المليارات، لكنها فشلت في بناء كرامة سيادية، وتحولت إلى ما يشبه القطيع المربوط في مزرعة العم سام: تُحلب حين تشاء واشنطن، وتُذبح حين تنتهي صلاحيتها.
منذ سبعينيات القرن الماضي، صُمّمت المعادلة الخليجية بعناية: أنظمة قبلية مفرغة من أي مشروع وطني حقيقي، تعتمد في بقائها على الحماية الأجنبية، وتمنح الولاء المطلق للغرب مقابل ضمان العرش والبقاء.
وكانت النتيجة سلسلة طويلة من التنازلات السياسية، والتطبيع الأمني، والانبطاح الاستراتيجي، جعلت من الخليج واحة ذهبية للغزاة، لكن صحراء للكرامة.
لم يكن ترامب أول من قالها بوقاحة، بل كان فقط الأكثر فجاجة: “أنتم لا تبقون أسبوعًا دون حمايتنا، وعليكم أن تدفعوا”.
فاندفعت الأبقار الخليجية، بحسب منطقه، تُقدّم حليبها الطازج على شكل صفقات سلاح، واستثمارات تريليونية، وقواعد عسكرية مجانية، وكأنها تدفع الجزية مقابل البقاء.
لكن المسألة لا تقف عند حدود “الحلب”، فالحيوان يُعامل ما دام نافعًا، وما إن يتوقف عن الإنتاج، حتى يُساق إلى المسلخ. وهكذا هي الدويلات الخليجية، ما إن تهرم سياساتها، أو يضعف دورها الوظيفي، حتى يُستغنى عنها أو يُستبدل بها لاعب أكثر شبابًا ومرونة. ألم يحدث هذا مع حلفاء الغرب في أفغانستان؟ ألم يتخلّ عنهم في لحظة خاطفة؟
ألم يحدث في اليمن، عندما تُركت السعودية تتخبط في مستنقع لم تستطع الخروج منه رغم تفوقها العددي والتقني؟
ألم تكن البحرين تحت تهديد السقوط لولا تدخل الجار؟
ألم تُضرب أرامكو في عمقها، ووقفت أمريكا تتفرج؟
إن هذه الأنظمة، رغم كل ما تملكه من مال ونفط وإعلام، تعيش عقدة الخوف الدائم. فهي تدرك أنها تعيش على التنفس الاصطناعي السياسي، وأن أنبوب الحياة بيد واشنطن، وليس في يد شعوبها. ولهذا، نراها تبالغ في طاعتها، في شراء الأسلحة التي لا تستخدم، وفي تمويل الحروب التي لا تنتصر، وفي قمع الأصوات التي تطالب بالسيادة.
في المقابل، هناك معسكر آخر لا يعرف الانبطاح. محور المقاومة، رغم الحصار والحروب والمؤامرات، يقف بشموخ. يصنع سلاحه، ويحدد بوصلته، ويمتلك زمام قراره. لا يُحلب ولا يُذبح، لأنه ببساطة ليس بهيمة في مزرعة الغريب، بل أسد في غابة الأحرار.
وهنا يكمن الفارق الجوهري: الخليج يشتري الأمن… والمقاومة تصنعه. الخليج يعيش على الهبات… والمقاومة تبني قوتها بالصبر والدم. الخليج يُكافأ حين يصمت… والمقاومة تُستهدف لأنها تتكلم وتفعل. وفي النهاية، تبقى الحقيقة صارخة:
من لا يملك قراره، لا يملك مصيره،
ومن سلّم نفسه للحلب، عليه أن يستعد للمسلخ. سيأتي يوم ونشاهد كيف تساق هذه الدويلات إلى المسلخ …




