سبب توافق النظام العالمي والعربي على تهجير شيعة لبنان..!
ناجي علي أمّهز ||

منذ فجر البشرية، تميّزت الشعوب بخصائص فريدة طبعت وجودها في سجل الحضارة؛ شعب بالسحر، وآخر بالطب، وثالث باللغة والصين بالسلاح. وعندما نقرأ سرديات الأنبياء، نرى أن كل نبي واجه قومه بمعجزة تفوّقهم؛ النبي موسى واجه السحرة بمعجزة لقفت سحرهم، والنبي عيسى أحيا الموتى أمام عباقرة الطب، والنبي محمد أتى بمعجزة بلاغية لغوية أمام قوم عشقوا الشعر وتفننوا في الكلمة ومفرداتها.
فيما كان الغرب يدمج الشعوب المتفوقة علمياً وثقافياً في بنيته، مستفيداً من العقل الصيني في تطوير الأسلحة، ومن الخيال الفرعوني في صناعة الصورة والرواية، حتى أصبحت هوليوود أكبر مراكز “السحر الحديث”، كان العرب يغرقون في بحر الطائفية: هذا شيعي، ذاك سني، وذلك علوي أو درزي أو إسماعيلي… حتى داخل المذهب الواحد تحوّل الخلاف إلى اقصاء.
ومع هذا التمزق، بقي الشيعة استثناءً. جماعة لا تُروض. ترفض الاستبداد بالفطرة، تحمل في جيناتها فكر الحسين، وتمشي بثبات نحو الثورة حتى الموت. في مقابل أكثر من 90% من المسلمين الذين روضهم الفقه الأموي على طاعة “ولي الأمر” مهما فعل، ظلّ الشيعة وحدهم خارج السياق.
وقد بين المفكر الاسلامي الدكتور محمد شحرور هذه العلة عندما قال: “هذه المشكلة ظهرت أصلاً من تعريف القضاء والقدر عند الأمويين، حيث اعتبروا أن الله قضى منذ الأزل أن يحكم بني أمية، والقدر هو نفاذ هذا الحكم.”
ويكمل الدكتور شحرور: قال تعالى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً} (النساء 59)
يستخدم الحكام منذ العهد الأموي وحتى اليوم هذه الآية للتحكم في رقاب العباد، معتبرين أن طاعتهم واجبة بأمر من الله، وأعانهم الهامانات في كل زمان، ابتداءً من اختراع أحاديث من قبل “إن كان لله في الأرض خليفة جلد ظهرك وأخذ مالك فأطعه”، إلى تأليف فتاوى ما أنزل الله بها من سلطان.
ونقول أن مصطلح “أولي الأمر” لا علاقة له مطلقاً من قريب أو بعيد بالأمراء والولاة والحكام، فالولي في اللسان هو النصير والمشرف والحليف والصديق والمطيع، ومنه الوالي أي القائم بحكم البلد وأهله.
ولذلك لم يكن مستغرباً أن تجد الغالبية العربية تصمت أمام مجازر غزة، بل وتدين المقاومة، وتدعم العدو بشكل مباشر أو غير مباشر. أكثر من مليونَي إنسان يُبادون نارًا وتجويعًا، ولا بلد عربي حرّك ساكناً، بل إن الرئيس الفلسطيني نفسه وصف المقاومين بـ”أولاد الكلب”، في تعبير صارخ عن الإجماع الرسمي على خنق أي نَفَس ثوري في المنطقة.
هنا تتضح حقيقة مفزعة: النظام العالمي لم يعد بحاجة إلى الأقليات بين العرب والمسلمين، لقد اكتشف أن الخطر الحقيقي ليس من وحدة العرب، بل من بعض تلك الأقليات ذات النَفَس الثوري.
المسيحيون العرب، وقفوا ضد مشروع “إسرائيل” منذ بداياته: من بيار الجميّل وشارل مالك وجبران تويني (الجد)، إلى ريمون إدّه وسليمان فرنجية (الجد والحفيد) وميشال شيحا وأنطون سعادة. وميشال عفلق وجان عزيز (متوفي منذ زمن)، وحتى فليب حبيب، وميخائيل نعيمة، وغيرهم، قادة ومفكرون كانوا يشكّلون خطرًا على المشروع الصهيوني من داخل منظومته الفكرية والسياسية. لكن الحرب الأهلية قضت على هذا الدور.
أما اليوم، فلم يبقَ سوى الشيعة. هم الوحيدون الذين خاضوا مواجهة فعلية مع “إسرائيل”. حملوا السلاح. انفتحوا على الأمة السنّية لتجنّب الوقوع في صراعات مذهبية، ومع ذلك ظلوا مطاردين، تُلاحقهم الفتاوى، وتشيطنهم الأنظمة.
الشيعة – خصوصاً اللبنانيين – وعلى قلّتهم، يملكون صوتاً إعلامياً وسياسياً وازناً، اكتسبوه من بيئة متنوّعة واحتكاك مع آليات الدولة والحداثة. ولهذا السبب، يرى النظام العالمي والعربي، لا بدّ من إسكات هذا الصوت.
ترامب، عندما استقبل “الرئيس أحمد الشرع، “هو اعتراف علني انه مبروك عليكم المنطقة”، بل ترامب طالب الشرع بحماية الاقليات، واسماهم اقليات اي ليسوا مواطنين سوريين يحق لهم الوصول الى سدة الرئاسة او رئاسة الوزراء، بينما سورية الماضي كان وزير اوقفها الاسلامية المسيحي فارس الخوري.
غزّة كانت المفصل. هناك، انكشفت اللعبة كاملة: الشيعة باتوا العقبة الأخيرة في وجه النظام العالمي الجديد، ويجب إزالتهم، تهجيرًا أو إبادة.” فبحسب الإحصاءات، لا يزيد عدد الشيعة في العالم العربي – دون العراق – عن 6 ملايين نسمة، ويمكن “التخلّص” منهم بسهولة، إما بإعادة توزيعهم نحو إيران والعراق، أو بتهجيرهم قسرًا إلى المجهول.
الشيعة اليوم هم الثورة الباقية، الدمعة التي لم تجفّ، الصوت الذي لا يسكت، والضمير الذي يُراد له أن يُمحى من المشرق، لانه مع انتهاء الشيعة تنتهي الثورة، وتموت الحرية.
لذلك، كل ما يُقال عن السلاح والشيعة ليس إلا تمهيدًا لتجريدهم من قوّتهم، تمهيدًا لإخراجهم من المعادلة بأقلّ كلفة ممكنة.
فمع ترحيل الشيعة، ستنطفئ آخر حركة احتجاج سياسي في الدول العربية، إذ يُنظر إلى شيعة لبنان كأنهم مصدر التحريض على مطالبة الاقليات الشيعية في تلك الدول بحقوقهم المدنية في البرلمانات والمناصب والوظائف.
كما ان النظام العالمي، الذي شاهد احتلال اسرائيل لاجزاء جديدة من سوريا دون مقاومة تذكر بينما عجز اكثر من 50 الف جندي اسرائيلي على احتلال بضعة امتار في الجنوب اللبناني، على ان اسرائيل ستكون السيد المطلق على المنطقة مع ترحيل الشيعة.




