الأربعاء - 17 يونيو 2026
منذ سنة واحدة
الأربعاء - 17 يونيو 2026

محمد شريف أبو ميسم ||

 

 

تتكرر فكرة اثارة الفتن والنعرات الطائفية والعرقية بين أبناء شعوب المنطقة العربية منذ تأسيس دولة الاحتلال في 1948 حتى يومنا هذا الذي يشهد توظيف أدوات جديدة في سياقات استراتيجية التآمر والاحتواء السياسي والأمني،

وعلى الرغم من اختلاف التكتيكات الاجرائية بموجب الأحداث التي تشهدها المنطقة، الا ان أولويات التعامل الصهيوني مع المتغيرات ظلت قائمة على توظيف نقاط الضعف وتحييد عناصر القوة عند الجانب العربي، فضلا عن توظيف الحكومات العميلة في سياستها التوسعية.

ومن ذلك الحين الذي وثقه أول رئيس وزراء لدولة الاحتلال “ديفيد بن غوريون” في مذكراته، بقوله “ان إسرائيل لا تؤمن قوتها في امتلاكها للسلاح النووي وحسب، وإنما في تقسيم الدول العربية وتفتيت جيوش العراق وسوريا ومصر وتحويلها إلى دويلات متناحرة على أسس دينية وطائفية”،

وهذا المنهج كان مدعاة لدراسة تاريخ هذه المنطقة، وتوظيف نقاط الضعف في التشكيلات المجتمعية التي تتجلى بوضوح في وجود التنوع الطائفي والعرقي، وتكريس هذا الضعف عبر أدوات مختلفة، وصولا للمرحلة الراهنة التي يتجسد فيها ذلك عبر أدوات العولمة الثقافية وفي مقدمتها مواقع التواصل الاجتماعي.

وبن غوريون هذا لم يتردد أن يعلن في مذكراته، أن ” نجاح الصهاينة في ذلك لن يعتمد على ذكائهم بقدر ما يعتمد على تخلف الطرف الآخر”، وعلى هذا الأساس جاء وزير الخارجية الأمريكي الأسبق “هنري كيسنجر”، بشهادة زور في كتابه “النظام العالمي” الذي صدر عام 2014 حين أشار “باسلوب يعتمد لي أعناق الكلمات” الى ما سبق وأن ردده في أكثر من مناسبة ،

ان”العراق وسوريا لن يتمكنا من إعادة توحيد نفسيهما من جديد كدولتين سيدتين مستقلتين، وان التفتت القبلي والمذهبي والعرقي الذي يعصف بهما قد ينسحب غدا على المزيد من الدول ويترك المجال أمام سيطرة الكيانات غير الدولتية، ما سيؤدي إلى تفكك النظام الإقليمي وانتشار القوى الخارجة عن النظام والقانون على مساحة الخارطة الإقليمية الإسلامية الواسعة”.

وهنا تتجلى بوضوح، طريقة توظيف العقل العربي، بوصفه عقلا مهووسا باعادة انتاج مخرجات الثقافة الغربية، ليبشر بهذه الطروحات الكيسنجرية تارة، ويعيد تسويقها تارة أخرى،

حتى ان البعض من أنصاف المثقفين راح يكرر ما قدمه كيسنجر بشأن قوله “ان سوريا، كما العراق ليست دولة تاريخية بل مصطنعة خلقها الفرنسيون في شكلها الحالي في العام 1920، كما فعل البريطانيون وقتها بالنسبة للعراق”. متناسين ان “جبار أبو الشربت” أقدم من دولة الولايات المتحدة الذي لا يتجاوز عمرها 250 سنة، وان التاريخ نفسه ولد من أرض العراق والشام.

وليس هذا وحسب، فالذي يتجهاله البعض، ان كيسنجر، الذي عرف بوصفه ثعلب السياسة الأمريكية، وهو يهودي من أصل الماني، كان يؤسس لأمنيات، وهو يسوّق أفكاره نحو الشرق الأوسط، قائلا ” بأن الانقلابات الاجتماعية والاضطرابات والحروب الأهلية يمكن استخدامها كوسائل لدمج الأمم في نظام دولي على الولايات المتحدة أن تعمل على إنشائه بمساعدة القوى العظمى”.

وفي موضع آخر من هذا الكتاب يمني كيسنجر نفسه باستمرار صراع الطوائف والاثنيات في سوريا والعراق، لأن استمرار الصراع بحسب قوله” يفتح المجال أمام دمجها في نظام عالمي جديد”.

وعلى ضوء هذا التدليس، فان الأحداث التي يراد بها تكريس العداء بين التشكيلات المجتمعية في دول المواجهة مع الكيان، ستكون مدعاة لتدخل دولي يقدم حلول جاهزة على مقاسات تطبيع تحد من توريث الصراع مع دولة الاحتلال بموجب العداء بين الطوائف والأعراق، ويجعل الأرض ملكا صرفا للشركات التي تحكم العالم، والتي سيعقبها بتقادم الزمن تغيير ديموغرافي تحت مظلة العولمة الاقتصادية، وصولا الى تطبيق الشعار الماسوني “من الماء الى الماء تترامى أطراف الدولة الصهيونية الكبرى”.