الأحد - 14 يونيو 2026
منذ سنة واحدة
الأحد - 14 يونيو 2026

الشيخ مازن الولائي ||

 

 

في إحدى مستشفيات المدينة، حيث تُسمعُ “آهاتُ” النساء وأصواتُ المواليد الجدد، وقفت الدكتورة “بتول” كشمعةٍ تنير ظلامَ الألم. كانت مختلفةً عن غيرها… لا تكتفي بوصف الدواء، بل تزرعُ في قلوب مريضاتها أملًا إلهيًا يذيبُ خوفَهنَّ ويُخفِّفُ آلامَهنَّ.

كانت بتول ترتدي حجابًا فضفاضًا يُخفي زينتها، لكنه لا يُخفي بهاءَ روحها.

بتول لها فلسفة خاصة في وظيفتها، وفهمٌ متميزٌ عن بقية زملائها. لم تؤخر صلاتها طوال “مسيرتها” منذ التكليف وحتى بعد تخصصها في طب التوليد، إلا في ظروف قاهرة وحرجة، وهذا ما عُرف عنها. تلبس الحجاب الكامل والواسع سواء في حياتها العملية أو في مكان عملها في المستشفى،

لأن قدوتها في الحياة أشبَعَتْها قناعةً أن جسدها أمانة عندها، وسلَّم من خلاله ترتقي في مدارج الكمال. وتعلمت بتول عن طريق معلمتها أن كل زينة محرمة، وكل إبراز مفاتن هو سلبُ توفيقٍ، وحسابٌ عسيرٌ عليها مع كل نظرةٍ تُسبِّبُ ورطةً لصاحبها، أو جسد معروضٍ في مرمى عيونٍ لا تعرف غضَّ البصر! لها من دماثة الأخلاق ورُقِيِّ التعامل ما جعل مرضاها يتعافَوْنَ، وترتفع معنوياتهم حتى قبل الدواء. فهي لا تعطي الدواء الكيميائي فقط، بل لها حلاوةٌ وطَلاوة في حديثٍ مفعمٍ بالآيات والروايات وقصص التعلق بالله، مصدر السعادة والسرور.

نظراتُها الدافئة، وكلماتُها التي تسبحُ بذكر الله، جعلت عيادتها أشبهَ بِوَاحةِ إيمانٍ في وسط صخب المستشفى. حتى سمَّاعَتُها الطبية التي تتدلى على صدرها بدت كقلادة حكمةٍ، لا مجرد أداةٍ طبية.

ذات ليلة، بينما كانت بتول تُنهي نوبة عملها، دخلت عليها مريضةٌ شابةٌ تُدعى “سارة”، تتمزقُ من ألم المخاض، وتصرخ: “لا أتحمل أكثر من هذا!”

احتضنتها بتول بحنانٍ، وهمست في أذنها:
«سارة.. هل تعلمين أنكِ الآن في أعلى درجات العبادة؟»

نظرت سارة إليها بدهشةٍ، فأكملت:
«نعم! ففي هذه اللحظات، أنتِ كالمجاهدة في سبيل الله… كلُّ طلقةِ ألمٍ تُذهِبُ ذنبًا، وكلُّ صرخةٍ تُقرِّبُكِ من الجنَّة.»

ثم بدأت تقصُّ عليها بعضَ الروايات:
“المرأة الحامل كالصائمة القائمة… وإذا وضعت خرجت من ذنوبها كيوم ولدتها أمها.”
“وإذا ماتت في نفاسها… فهي شهيدة.”

ارتسمت على وجه سارة ابتسامةُ صبرٍ، وكأن كلمات بتول كانت مخدرًا روحانيًا يخفف آلامها أكثر من الحقن!

يا سارة..
الولادة… لحظةٌ لا تُنسى
عندما حان وقت الطلق، كانت بتول تردد مع سارة:
“يا الله… يا كريم… يا رحيم…” ثم يا علي..

وبعد جهدٍ كبير، وُلدت الطفلة… وعندما سمعت سارة بكاءَ ابنتها، انهمرت دموعها وقالت:
“والله… كأنني ولدتُ من جديد!”

ضحكت بتول وقالت:
«بالفعل! فأنتِ الآن بلا ذنوب… كالمولودة الجديدة.»

وفي اليوم التالي، جاءت سارة إلى العيادة حاملةً وليدتها، وقالت بفرحٍ:
“سميتها “بتول”… لأنكِ علمتني أن الأمومة عبادة، وأردتُ أن تكون ابنتي مثلك!”

ارتسمت على وجه بتول دمعةُ شكرٍ، ثم قالت:
«اللهم اجعل هذه البنت قنديلًا على سر فاطمة عليها السلام يهدي الآخرين… كما جعلتِ أمها شهيدةً حيةً بصبرها.»

بتول جنديةٌ في ساحة الولادة
في زاوية من صالة العمليات، حيث تُكتَبُ قصصُ الحياة والموت، وقفت بتول تُصلّي ركعتي شكرٍ. كانت تعلم أن مهنتها ليست مجرد “وظيفة”… بل جهادٌ بإبرة الحقن، ودعوةٌ بلسان الحنان.

وفي دفتر ملاحظاتها، كتبت:
“اليوم… ساعدتُ سارة لتُنجب طفلتها… وغدًا، سأُنجب مع كل مريضة أملًا جديدًا… لأن الولادة ليست مجرد خروج طفل إلى الدنيا، بل دخول أمٍّ إلى الجنَّة.”

✍️ كُتِب في طابق الولادة… مستشفى مدينة الطب..

مازن الولائي

القصة هي أحد أنواع الفن الذي يؤكد عليه القائد الولي الخامنائي المفدى، لما لها من تأثير وسحر آخاذ على روح وقلب الإنسان وهي أحد وأهم أنواع جهاد التبيين..

https://t.me/mazinalwlaay

Telegram (https://t.me/mazinalwlaay)