حملنا الوجع ورفعنا الراية بسم الحسين وزينب..!
الشيخ قاسم ال ماضي ||

“اليوم، التجأتُ بقلبٍ مُثقلٍ إلى الحسينِ وأخيه أبي الفضل العباس وآبائهما الطاهرين.
رَمَيتُ بنفسي على أعتابهم، متوسلًا بجاههم وجاه آبائهم الكرام عند رب العزة، أن يُخلّصنا من أثر السياط التي ما زالت تترنحُ أوجاعُها على ظهورنا كظلالٍ مُقيمة.
وإن كانت حقبةُ الظلم قد غادرتنا، إلا أننا ما زلنا نعيشُ في كابوسِ ذكراها البارد، فما زلتُ أرتجفُ كلما سمعتُ باسم الأمن، أو رأيتُ شرطيًا يلوحُ في الأفق كشبحٍ، أو يتملّكني الوجلُ الباردُ عند كل سيطرةٍ تَستقبلُ خطواتي في بداية الدرب.
ما زلتُ أحلمُ بالتعذيب، وأرى وجوهَ الجلادين كأنها رسومٌ مُعلّقة على جدران الذاكرة، لا تمحوها الأيام. . أغفو قليلًا، فأجدني في زنزانات الانفراد الموحشة، بين أسِنِّ الوحل الذي يخنق الأنفاس ونهش الجرذان القذرة، و تُقضُّ مضجعي صرخاتُ المعذبين تحت سياط الجلادين التي تلسعُ اللحمَ لسعًا، أو ارتجافُهم من لسع الكهرباء الذي يسري في العظام كالنار.
نعم، ما زلنا نئنُّ حين نرى اللون الأحمر القاني الذي كان يلطخ جدران الزنزانة وقدرنا المشؤوم كلونِ الدمِ الطازج. ما زلنا نتذكر كيف أُخذوا إخوتنا من بين أيدينا في ظل حاكمية مخابرات صدام، وكيف أخرجناهم أشلاءً هامدةً من المقابر الجماعية بعد هزيمة البعث، لكنمع كل هذا وذاك رائحة الموت ما زالت عالقة في ثياب الذاكرة.
لكن، أيُّ طيفٍ أتاني في غمرة هذا الوجع؟
وأيُّ سؤالٍ راودني كالسهمِ المسموم عند استحضار ذكريات زينب، عقيلة الهاشميين، جبل الصبر الشامخ؟
عن نار المخيم التي التهمت الطفولة والأحلام، وعن قتل الإخوة والأولاد كأضاحي تُقربُ على مذبح الحقد، وتقليب الرؤوس المقدسة على الرماح كنجومٍ دامية في سماء الفاجعة، وسياط الشمر الغليظة التي مزقت الجلود الطاهرة، والنوق الهزل التي هزلت من طول المسير وعظم المصاب. كيف احتملت زينب كل تلك الذكريات بعد وقعة الطف الأليمة، تلك الهزيمة الظاهرية التي كانت نصرًا للدم على السيف؟
يا لها من آلامٍ أشدُّ إيلامًا لها من سياط يزيد!
ويا لرقّتكِ يا أم المصائب يا زينب! هل صوتُ سياط الأمويين كبّل السجادَ بالسلاسل الثقيلة؟
أم فرارُ العفيفاتِ المذعوراتِ من الخيامِ المُحترقة كالفراشاتِ المشتعلة؟
أم تمنّيكِ الحارق لو رجعت رقية، زهرة الشام، إلى الدار ولم تمت على رأس الحسين، قريرة العين بلقائه؟
أم أنكِ تذكرتِ عباسًا قمر بني هاشم، مقطوع الكفوف كشجرةٍ باسقةٍ هوت أغصانها؟
أم حسينكِ سيد الشهداء، مسلوب العمامة والرداء كغصنٍ عارٍ في مهب الريح؟
أم عبد الله الرضيع الذي رُوِّيَ من حقد أمية بسهمٍ مسموم بدل الماء العذب؟
وعلي الأكبر شبه المصطفى، حين سقط مضرجًا بدمائه وصاح: أدركني يا أبتاه!
أما القاسم ابن الحسن الغض، الذي حُمِلَ إلى أمه مُضرَّجًا بدمائه الزكية كزهرةٍ قُطفت قبل أوانها، يستصرخ الحسين: أدركني يا عم! كيف حملتِ يا زينب كل تلك الذكريات الثقيلة كالجبال الراسيات؟
نعم، زينب جبل الصبر الأشم الذي ماتت كمدًا على تلك الواقعة الأليمة. نفس السياط التي لسعت أجسادنا، ولكن تخلف الأجساد. فأجسادنا لأجسادكم الوقاء والفداء،
أرواحنا لأرواحكم السكنى والسلام. تلك المشاهد المروعة التي كانت ترود زينب كالأشباح في الظلام الدامس حتى أمضت الجفن الأخير، كلما سمعت بعطشان ينادي، أو رأت نارًا تشتعل، أو طرق سمعها بكاء طفل يتيم. وقد كُتب علينا بعضٌ من ذلك المصير لأننا ناصرناكم بالقلوب والأرواح وإن لم ندرك زمانكم. نواسيكم بكل سوطٍ ظالم،
بكل شهيدٍ مضرج بدمائه، وكل مظلومٍ كسير القلب. نبكي مع كل ناعٍ ينعى فاجعتكم، ونجدد في كل عالم الرثاء حين يُنصب الموكب وتُسكب العبرات ويُجدد العزاء، وقول الناعي يزلزل الأركان: أيا حسين ومصابه!
ويترقى خطيب المنبر ليصدح بالحق: يا ليتنا كنا معكم فنفوز فوزًا عظيمًا.”
… .




