الجمعة - 15 مايو 2026

عالم سجون صدام المرعبة.. سجون حاكمية المخابرات أنموذجاً..!

منذ سنة واحدة
الجمعة - 15 مايو 2026

الكاتب والباحث والاكاديمي صلاح الاركوازي ||

 

 

تمر الليلة ليلة 5 / 6 الذكرى السنوية ال 29 لاعتقالي في حاكمية المخابرات فقد كنت واحد من ملايين العراققين الذين نالوا هذا الشرف .

ان الالسن والاقلام لتعجز وستظل تعجز عن وصف مأسي ومعاناة العراقيين في عهد المقبور الطاغية صدام حيث {غرف الموت الحجرية} ولا سيما من مرّوا في تجربة السجون والمعتقلات الرهيبة لاجهزة النظام القمعية يعلمون ماذا تعني هذه العبارة،

فسجون الامن كانت عالما خاصاً، وسجون الاستخبارات كانت هي أيضا عالما خاصاً، وسجون المخابرات المرعبة هي ايضاً كانت عالماً خاصاً، فسجون كل جهة أمنية كانت عالما وكانت هذه السجزن تتسابق في أذلال العراقيين وأي شخص يدخله لان الدخول الى سجون الطاغية كانت سهلة جداً مجرد الشك او اي وشاية أو تقرير فغياهب السجون كان مصير هؤلاء ، ولكن الخروج منها كان مستحيلاً أو شبه مستحيل .

كان قدر العراق ان يحكمه على مدى قرون وعصور حُكام وحكومات مارسوا شتى أنواع الظلم والجور والتعذيب والتنكيل بحق هذا الشعب وكان حُصه الشيعة والكرد حصة الاسد في هذه المظلومية،

حيث القتل والتنكيل فلذلك نجد ان اغلب بيوتات العراقيين فيها اما شهيد او سجين او فارا او معاقا وهذا كان قدر العراقيين على مدى هذه العصور والازمنة، حيث الحروب والمعارك سواء مع دول الجوار او حروب ومعارك داخلية حيث تعرض خيرة الشباب العراقي الى القتل ولا سيما في عهد حزب البعث البائد حيث ما ان يكاد يخرج العراق من حرب الا ويدخله هذا الحزب ومن يتسلط عليه في حرب ثانية والتي احرقت الاخضر واليابس واخذت مئات الالاف من شبابنا وتركت الاف المعاقين والاف من الارامل وبطبيعه الحال هذه المعارك تترك اثارا سيئه على المجتمع العراقي ولحد هذا اليوم يدفع العراق والعراقيبن ثمن استهتار وتهور الحكومات السابقه .

فبعد مسير لساعات طويلة في ظلمة الليل ووحشتة مع الحذر والترقب وبنفس الطريق الذي سلكته عند نزولي في أحدى المهمات الجهادية لكن الاقدار شاءت وتحديداً في ليله الاثنين 5 /6 من شهر ايار(الشهر الخامس) من عام 1996 اي قبل 29 عاماً وعند رجوعي من احدى المهام الجهادية في العاصمة بغداد الى السليمانية تم القاء القبض علي بعد ان وقعنا في كمين تابع لاستخبارات الفرقة 34 في الطريق الغير رسمي (القجق) الرابط بين خانقين وكلار والتي كانت ضمن مهام وعمليات هذه الفرقة ،

وكان معي الدليل ويدعى احمد وهو كردي من اهالي كلار ومن مفارقات القدر أن اكتشف اثناء التحقيق بانه كان يعمل وكيلاً للامن في خانقين ومرتبطاً بشخص هو ضابط امن يدعى نقيب عطيه (من امن خانقين) وكان مهمته (اي احمد) جلب المعلومات عن المعارضة المتواجدة في كردستان ونسخ من الجرائد الصادرة من هذه الاحزاب والتشكيلات،

بعد أيام بقيت عندهم بعد ذلك تم نقلي الى استخبارات الفيلق الثاني حيث بقيت هناك بضعة ايام وخلال هذه المرحلتين اي استخبارات فرقه 34 واستخبارات الفيلق الثاني تعرضت فيها لانواع مختلفة من التعذيب والتحقيق، بعد ذلك تم نقلي الى منظومه مخابرات الشرقية في بعقوبه (في منطقة الخرنابات) حيث قام بالتحقيق معي شخص يدعى مقدم دريد بقيت يومين عندها تم نقلي الى حاكميه المخابرات (دائرة التحقيق والتحري) في بغداد في يوم السبت من نفس العام .

1996 واذكر كان يصادف الاول من شهر محرم الحرام وفي الحاكمية تم اعطائي الرقم (750 ) لان التعامل يكون على اساس ارقام وليس كأسماء امعانا بالتعامل الهمجي البربري مع السجناء والمعتقلين وأذلالاهم وتجريدهم من انسانيتهم (فسبحان الله فان العشرات من ضباط الاجهزة الامنية ومن الحاكمية نفسها ممن كانوا سابقون يحتقرون السجناء كانوا معنا في نفس الزنزانات ويتم التعامل معهم بنفس الاسلوب واصبحوا مجرد ارقام والعديد منهم قد تم اعدامهم من قبل نفس الدوائر التي خدموا فيها طويلاً).

كنت في الغرف رقم 19 ثم في غرفة رقم 12 وبعدها تم نقلي الى القاعة رقم 65 والتي تقع مباشرة تحت البرج وبجوار المشمس، ومنها بدات معاناتي مع هذا القسم او الشعبة والتي كانت مختصة بالتحقيقات لكن ارادة الله سبحانه وتعالى والتمسك بنهج ال البيت عليهم السلام ودعاء الوالدين والمؤمنين كان له اثراً كبيراً في خروجي من ذلك المكان المرعب بعد رحلة طويلة وسلسلة من التحقيقات وصعودي مرتين الى محكمة الامن الخاص في مديرية الامن العامة حيث لم يتم محاكمتي في دائره المخابرات علما ان الحاكمية كانت لديها محكمة خاصه لكن قضيتي صحيح كانت على المخابرات لكن المحكمة كانت في مديريه الامن العامة في البلديات (محكمة الامن الخاص) اللي كانت سابقا تعرف بمحكمه الثورة وفي ذلك الوقت كان يتراسها المدعو عجيل العجيلي ،

كانت الغرف والقاعات ممتلئة حيث كان اسلوب نومنا هو بالتعاكس بين شخص واخر راس بجوار اقدام السجين المجاور وكان لون الجدران في الغرف لون جوزي مع مصباح 60 واط وهذا بمرور الزمن يدمر نفسية واعصاب السجين والغرف التي كنت فيها 19 و 12 كانت تنزل عليها من صحيات الغرفة التي فوقنا مياه المجاري وبقطرات محسوبة .

واذكر ايضا حادثة مهمة اخرى انه بتاريخ 6/6 وهو نفس اليوم التي تم اخذ بصماتنا تم نقل الكثير منا ليلاً الى سجن قسم الخاصة في ابو غريب واهم شيء او احقر اسلوب انه يتم التعامل مع السجين او المعتقل على اساس رقم وليس على اساس اسم حيث كنت احمل الرقم 750 فقد وجدت في الحاكمية امور كثيره :-

1. فقد رايت ابطالاً يتحدون الجلاوزة والمحققين بانه لو انهم لو استطاعوا ان ينتزعوا كلمة اه من افواههم فانهم سوف يعترفون لهم بكل شيء لكن هذه الاه كانت تأبى تخرج نعم استشهد الكثير تحت التعذيب وارتفعت ارواحهم الطاهرة الى بارئهم ولكن لم تخرج اه الذي اراده الجلاوزة،

2. بالمقابل وجدت احقر المخلوقات سجين وفي المعتقل يتجسس على اخوته ،

3. كذلك وجدت سجانين لم يكونوا بشرا بل كانوا ممسوخين ذئاب بشرية تتلذذ في نهش اجساد السجناء والكثيرين منهم كانوا يصومون يصلون يقرأون القران فحقا هم خوارج العصر لان الشهر الاول من عام 1997 صادف شهر رمضان حيث كان السجان في النهار صائما وعلى الرغم من ذلك فهو يتلدذ بتعذيب السجناء وفي الليل يقرؤون القران {حقا انهم خوارج العصر} في الحاكمية.

في سجن الخاصة التابع لابو غريب لدي قصص ومواقف لاشخاص لن انساه ابدا فقد شاركت المرحوم الدكتور ابراهيم البصري نفس الغرفه في السجن الخاصه لابو غريب (الغرفة رقم 2) في الطابق الارضي وهذا الرجل واقعاً لديه مواقف مع السجناء ومعي خصوصا وحقيقه يستحق ان نذكر اسمه بكل فخر واعتزاز وشموخ.

1. ايضا صادفت الشبكات ضخمة منهم السراق والعصابات .

2. وكذلك من المجاهدين سواء كانوا تابعين لبدر او من كان شبكة كبيرة.

3. ايضا شبكة كبيرة وصلت الى السرب الخاص للمخلوع صدام حسين حيث كان معي شخص يدعى رائد سعد الدليمي واخيه النقيب محمد.. رائد سعد كان بالقوة الجوية ونقيب محمد الشقيق كان في الاستخبارات العسكرية كانوا من ضمن الشبكة اللي كانت تعمل مع المؤتمر الوطني العراقي الموحد .

4. ايضا كان معي شبكه كانت تعمل للسفاره الايرانيه والشبكه كان يتراسها شخص اسمه السعدي ابو علي وايضا كان معي شخص اخر من اهالي الكوفه لا اذكر اسمه كانت تهمته العمل مع الموساد الاسرائيلي .وكذلك جماعة عدي ( جماعات سيارات المرسيدس ) .

5. وجماعة حسين كامل والكثير من القضايا والشبكات لانه في تلك السنة تحديداً في عام 96 كل القضايا قد تم تحويلها الى المخابرات فيبقى الموقوف فتره يتم التحقق من خلفيته السياسية والامنية فاذا لم تكن عليه اي مؤشر امني عندها يتم نقله الى الجهة ذات العلاقة والاختصاص.

6. فمثلا كان موجود معنا اشخاص بتهمه قضيه الاثاراو تزوير دفتر خدمه او التعامل بالدولار وغيرها من هذه القضايا فمن لم تثبت عليه اي قضيه امنية او سياسية عندها يتم نقلهم الى جهات ذات الاختصاص .

وخلال تواجدي في الحاكمية تم التحقيق معي اكثر من مرة بعدها تم عرضي لتصديق الافادة وانا معصوب العينين وتم توقيعي على اوراق وافادة لم اعلم مافيها الا يوم محاكمتي في محكمة الامن الخاص في مديريه الامن العامة في البلديات والذي كان يتراسل عجيل العجيلي وفي المرة الثانيه تم اصدار الحكم ببراءتي من التهمه الموجهة الي حيث كانت الاحالة وفق ( الماده 156 أ ) وهي مادة يكون حكمها الاعدام بدون نقاش لكنه الله سبحانه وتعالى كان سندي وهو من سخر لي اسباب ان اصل الى هذه المنزلة وان اخرج دون ان تثبت علي اي تهمه لان ما خدم قضيتي هو:-

1. انني اثناء اقامتي وتحركي حتى في كردستان كنت دائما اتحرك باسم مستعار ولا زلت احتفظ ببعض المستمسكات والاسماء التي كنت اتحرك بها سابقا .

2. والشيء الثاني انه كنت وحيدا في القضة يعني من السهل تغيير الافادات نعم تتعرض الى التعذيب بل الى شتى انواع التعذيب والتهديد لكنه عندما لا يثبت عليك شيء وليس هنالك دليلا ماديا ملموسا بتورطك بنشاط سياسي عندها يتم اطلاق سراحك .

خلال فتره عملي في المعارضة كنت حسبت حساب اليوم الذي سيلقى القبض عليه (كوني كنت اتردد بحسب طبيعة عملي في المعارضة باستمرار على بغداد سواء لاشراف او التنقيذ او بحسب المهام التي نكلف فيه) يعني كان في حساباتي انه قد يتم القاء القبض علي ولهذا كنت في حركاتي وتحركاتي في كردستان والذي اسكنه منذ الانتفاضة يعني منذ عام بدايه 92 فكان تحركي باسم مستعار وليس لدي اي نشاط ظاهري.

حيث عندما تم طلب معلومات فالمعلومات كانت تقول انه هو استاذ في الجامعة وليس هنالك اي مؤشرات امنية عليه وايضا عند القاء القبض علي لم يجدوا عندي اي شيء سواء كانت اسلحة خرائط او اي ادله جرميه والاهم من هذا انه في تلك الفترة الحكومة العراقيه كانت قد قطعت الطريق الرسمي بين كردستان وبقيه مناطق العراق. فكان للناس يترددون عن طريق ما يعرف بالطريق الغير رسمي (القجق).

هذه الامور ايضا كانت من صالحي وقد خدمتني كثيرا وبالتالي كانت النتيجة خروجي من الحاكمية بعد رحلة طويلة استغرقت ثمانية اشهر و 27 يوما (وتحديدا في يوم 27 / 1 / 1997) تم اطلاق سراحي ولحد هذا اليوم ما زلت اعاني من اثار التعذيب والاثار النفسية لما عانيته وشاهدته في الحاكمية.

وكأي عراقي شريف رفض ان يكون اداة وبيدق وخادماً وجاسوساً لصدام وزمرته فكان لزاماً علينا ان نسير على نهج اوالطريق المُنجى والمُخلص الوحيد الا وهو طريق الامام الحسين سلام الله عليه وهو هذا الطريق الذي يكون فيه النجاة والفلاح وهو طريق الرفعة والخلود وحسن الخاتمة والعاقبة ولا طريق سواه ما دامت السموات والارض..