تقييم التجربة الديمقراطية في العراق في ضوء نظرية روبرت دال..!
محمد عبد الجبار الشبوط ||

مقدمة
تُعد الديمقراطية نظاماً سياسياً معقداً لا يكفي لتحقيقه مجرد إجراء الانتخابات، بل يتطلب وجود منظومة من الشروط والمؤسسات والثقافات الداعمة. في كتابه “عن الديمقراطية” (1998)، حدّد المفكر السياسي روبرت دال مجموعة من الظروف الضرورية والمؤاتية للديمقراطية. يهدف هذا المقال إلى تحليل مدى انطباق هذه الشروط على التجربة الديمقراطية في العراق بعد عام 2003، وهي تجربة فريدة تشكّلت في ظل تحولات سياسية وأمنية واجتماعية جذرية.
الظروف الضرورية والمؤاتية
أولاً: سيطرة المسؤولين المنتخبين على قوات الجيش والشرطة:
يعتبر دال أن من الضروري أن تهيمن السلطات المنتخبة ديمقراطياً على أدوات القوة، أي الجيش والشرطة. في الحالة العراقية، ورغم وجود حكومات متعاقبة ناتجة عن انتخابات، فإن الواقع الأمني يُظهر أن السيطرة على هذه الأجهزة ليست كاملة. فهناك فصائل مسلّحة تعمل بموازاة الدولة وأحياناً خارج إطارها الرسمي، وتحظى بدعم أحزاب سياسية أو قوى خارجية. كما أن الولاءات داخل الأجهزة الأمنية ليست بالضرورة للدولة بل للأشخاص أو الكيانات السياسية. هذه العوامل تضعف مبدأ احتكار الدولة الشرعي للعنف، وهو ركيزة أساسية للديمقراطية الفعّالة.
ثانياً: انتشار الثقافة السياسية الديمقراطية
يفترض دال أن الديمقراطية لا تترسخ دون ثقافة سياسية تؤمن بالتعددية، والحقوق، والمشاركة السياسية. في العراق، وعلى الرغم من بعض مظاهر الانخراط السياسي، إلا أن الثقافة السائدة لا تزال متأثرة بالإرث الاستبدادي، والطائفية، والعشائرية. غالباً ما تقوم الأحزاب على أسس طائفية أو قومية، وليس على برامج سياسية، مما يقوّض الروح الديمقراطية القائمة على النقاش المدني والاختلاف المشروع. كما أن ضعف الثقة بالمؤسسات وارتفاع معدلات العزوف عن الانتخابات، كلها مؤشرات على هشاشة الثقافة الديمقراطية.
ثالثاً: غياب سيطرة أجنبية معادية للديمقراطية
يشير دال إلى أن نجاح الديمقراطية يتطلب تحرّر الدولة من السيطرة أو النفوذ الأجنبي المناهض لها. العراق منذ عام 2003 يعيش حالة معقدة من التدخلات الإقليمية والدولية. فبين الوجود الأمريكي السابق والدور الإيراني الحالي، بالإضافة إلى تدخلات أخرى، أصبحت السيادة العراقية مرتهنة في كثير من الأحيان لمصالح هذه الأطراف. هذا التداخل يُعيق تشكّل إرادة سياسية وطنية مستقلة ويقوّض المؤسسات الديمقراطية من الداخل.
رابعاً: اقتصاد سوق ومجتمع حديثان
من بين الشروط المؤاتية للديمقراطية، يرى دال أن وجود اقتصاد سوق ومجتمع حديث يسهم في دعم الاستقرار الديمقراطي. العراق يعاني من اقتصاد ريعي يعتمد بشكل شبه كلي على النفط، مع ضعف شديد في القطاعات الإنتاجية الأخرى. البطالة مرتفعة، والفساد مستشرٍ، والبنى التحتية متهالكة. أما المجتمع العراقي، فهو يضم تفاوتات كبيرة بين المناطق الحضرية والريفية، وضعفاً في مؤسسات المجتمع المدني، ما يعكس غياب الحداثة الاجتماعية والاقتصادية الداعمة للديمقراطية.
خامساً: ضعف تأثيرات التنوع الثقافي
التنوع الثقافي – من حيث القومية والطائفة والدين – لا يشكّل بالضرورة عقبة أمام الديمقراطية، لكنه يصبح كذلك حينما يُستثمر في النزاعات السياسية بدلاً من أن يُدار ضمن أطر ديمقراطية. في العراق، شكّل التنوع الثقافي عامل انقسام أكثر من كونه مصدر غنى. التمثيل السياسي يقوم غالباً على المحاصصة الطائفية والقومية، مما يعمّق الانقسام المجتمعي ويجعل الدولة عاجزة عن تمثيل المواطنة الشاملة.
خاتمة
تكشف قراءة التجربة العراقية من خلال إطار روبرت دال أن الديمقراطية في العراق لا تزال شكلية إلى حد كبير، تعاني من غياب معظم الشروط الضرورية والمؤاتية. الانتخابات تُجرى، ولكنها لا تعكس دائماً إرادة حرة بسبب النفوذ المسلح، والتدخلات الخارجية، وضعف المؤسسات، والثقافة السياسية غير الناضجة. ومع أن العراق شهد خطوات مهمة نحو التعددية، إلا أن ترسيخ الديمقراطية الحقيقية يتطلب إصلاحات جذرية في بنية الدولة، والثقافة السياسية، والاقتصاد، وهي مهمة لا تزال بعيدة المنال.
مصادر:
روبرت دال، عن الديمقراطية (١٩٩٨) الترجمة العربية ٢٠١٤
الذكاء الاصطناعي




