البصيرة في زمن البطش: أئمة أهل البيت (ع) نموذجًا..!
د. سوزان زين ||

في زمنٍ خُنِقت فيه أنفاسُ الحكمة، وانطفأت فيه مصابيحُ الهدى تحت سطوة الجبابرة، كانت الأمة الإسلامية تمرُّ بمنعطفٍ تاريخي خطير، تتقاذفها الأمواج العاتية للفتن، وتُكمَم فيه أفواهُ أهل الحق، ويُبطش بالدعاة إلى الله.
في خضم هذا الواقع المظلم، وقف أئمة أهل البيت (عليهم السلام) بصبر الحكماء وبصيرة العارفين، يديرون دفّة الأمة بوعيٍ لم يخضع لصراخ العواطف، ولم ينكسر أمام هول المناظر. لم يكونوا دعاة ثورةٍ عاطفية تندفع بلا بوصلة، ولم يكونوا أهل سكوتٍ وخنوعٍ أمام الظلم، بل أسسوا منهج التحرك الرسالي الواعي، القائم على الحفاظ على الدين، وصيانة الرسالة، وتربية جيلٍ من الدعاة والأنصار يعمل في الخفاء لبناء الأمة من جديد.
🔸 أئمة الحكمة والبصيرة
لقد كان كل إمامٍ من أئمة أهل البيت (ع) يحمل مشروعًا إلهيًّا محكمًا يناسب مرحلته. فمن مقاومة الانحراف في عهد أمير المؤمنين (ع)، إلى الثورة في كربلاء بقيادة الحسين (ع)، إلى مرحلة البناء الثقافي والفكري في عصور الصادقَين (ع)، وصولًا إلى الإمامة في زمن الغيبة الكبرى.
كان الإمام لا يتحرك بردود الفعل، بل ببصيرة نافذة تخترق الواقع وتستشرف المستقبل. ولهذا كانت أفعالهم مدروسة، صبورة، تُؤسس لما بعدهم، وتُمهّد لظهور الحق.
🔸 الحكمة في زمن القمع
في وقتٍ أُخمدت فيه الأصوات، لم يتراجع أئمة الهدى، بل لجأوا إلى نشر العلم، إعداد الكوادر، تفكيك الشبهات، و*بناء قاعدة صلبة من المؤمنين*. لم يغفلوا عن خطر البطش، لكنهم لم يجعلوه عذرًا للتقاعس.
لقد قدّموا أروع نموذج في القيادة الربانية، قيادة تجمع بين الحُكم الإلهي والتعامل الواقعي مع التحديات. كانوا يتنقلون بين السر والعلانية، بين التقيّة والصراحة، كلما تطلّب الظرف ذلك، لكنهم لم يتنازلوا عن خط الرسالة.
🔸 رسالة اليوم
إن التحديات التي نواجهها اليوم، من مؤامراتٍ فكرية وثقافية، ومحاولات تطبيع مع الباطل، تتطلب من المؤمنين الاقتداء بهذا النهج الحسيني العلوي، في أن نكون أهل بصيرة لا ضجيج، أهل وعي لا تهوّر، وأن نُؤسس لكل عمل مقاوم على قاعدة: “التحرك بالحكمة لصيانة الدين وبناء الأمة.”




