البُشرى الربانية: كيف جعل اليمنُ دماءَ شهدائه جسرًا للنصر الإسلامي؟
القاضي حسين بن محمد المهدي ||

الدَّهْرُ يَوْمَانِ: ذَا ثَبْتٌ وَذَا زَلَلٌ،
وَالْعَيْشُ طَعْمَانِ: ذَا صَابٌ وَذَا عَسَلُ.
كَذَا الْحَيَاةُ، فَمَا فِي نِعْمَةٍ بَطَرٌ
للعارفين، وَلَا فِي نِقْمَةٍ فَشَلٌ
كما يقول الفرزدق
فَإِذَا مَسَّ أَهْلَ الْإِيمَانِ قَرْحٌ، فَقَدِ اقْتَضَتْ حِكْمَةُ اللهِ ذَلِكَ؛ لِيَتَّخِذَ مِنْ أَهْلِ الْفَضْلِ وَالْإِيمَانِ وَالْحِكْمَةِ شُهَدَاءَ، تُزَفُّ أَرْوَاحُهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ، وَيُكْتَبُ النَّصْرُ لِأُمَّتِهِمْ وَدِينِهِمْ كَمَا كُتِبَ لِأَسْلَافِهِمْ. وَفِي الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ: ﴿إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾.
لَقَدْ أَذِنَ اللهُ لِأَهْلِ الْيَمَنِ وَالْإِيمَانِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ كَافَّةً بِالْقِتَالِ وَنُصْرَةِ إِخْوَانِهِمْ فِي فِلَسْطِينَ. فَقَدِ اسْتَيْقَظَ النَّائِمُ مِنْ سُبَاتِهِ، وَتَنَبَّهَتِ الْمَشَاعِرُ، وَتَحَرَّكَتِ النُّفُوسُ، وَتَاقَتِ الْقُلُوبُ إِلَى أَنْ تَتَلَاقَى عَلَى حُبِّ اللهِ وَرَسُولِهِ فِي عِزَّةٍ وَحُرِّيَّةٍ، وَأَنْ يَسْمَعُوا قَوْلَ الْحَقِّ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ * وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا… وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾.
فَلَا يُهَوِّلَنَّ أَبْنَاءَ يَمَنَ الْإِيمَانِ وَالْحِكْمَةِ جُمُوحُ الظَّالِمِينَ وَبَغْيُهُمْ وَاسْتِهْتَارُهُمْ بِسَفْكِ دِمَاءِ الْيَمَنِيِّينَ وَالْفِلَسْطِينِيِّينَ. فَالدَّهْرُ يَوْمَانِ: يَوْمٌ لَكَ وَيَوْمٌ عَلَيْكَ، وَالنَّاسُ رَجُلَانِ: رَجُلٌ يُجَلُّ الْعَمَلُ بِفَضْلِهِ وَمُرُوءَتِهِ وَأَخْلَاقِهِ، وَرَجُلٌ يُجَلُّ الْعَمَلُ لِنَقْصِهِ وَدَنَاءَتِهِ. فَمَنْ جَلَّ عَنْ عَمَلِهِ ازْدَادَ بِهِ تَوَاضُعًا وَبُشْرَى، وَمَنْ جَلَّ عَنْهُ عَمَلُهُ لَبِسَ بِهِ تَجَبُّرًا وَكِبْرِيَاءَ، فَهُوَ فِي خَيْلَائِهِ يَصُولُ، وَبِفِعْلِهِ الْمُنْكَرَاتِ فَخُورٌ.
وَهَذَا فِرْعَوْنُ يَصُولُ فِي قَوْمِهِ وَيَقُولُ: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾، وَيَقُولُ لِمَنْ حَوْلَهُ فِي حَقِّ مَنْ يَرَاهُ عَدُوًّا لَهُ: ﴿قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ﴾. وَاسْتَمَرَّ فِي بَشَاعَتِهِ وَكِبْرِيَائِهِ وَشَنَاعَتِهِ حَتَّى أَغْرَقَهُ اللهُ فِي الْيَمِّ، وَجَعَلَهُ وَقَوْمَهُ سَلَفًا وَمَثَلًا لِلْآخَرِينَ.
وَهَذَا نِتْنْيَاهُو وَتْرَمْبُ قَدِ اخْتَالَا فِي جَبَرُوتِهِمْ وَطُغْيَانِهِمْ، وَبَالَغَا فِي قَتْلِ الْأَبْرِيَاءِ مِنَ الرِّجَالِ وَالْأَطْفَالِ وَالنِّسَاءِ، فَأَسْخَطُوا الْحَقَّ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، وَأَغْضَبُوا الْمُسْلِمِينَ وَأَحْرَارَ الْعَالَمِ أَجْمَعِينَ. وَكَأَنَّهُمْ نُسْخَةٌ مِنْ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ، وَلَا عَجَبَ فِي ذَلِكَ؛ فَكُلُّ امْرِئٍ يَمِيلُ إِلَى مِثْلِهِ، كَمَا أَنَّ كُلَّ طَائِرٍ يَأْوِي إِلَى شَكْلِهِ. فَمَيْلُهُمْ إِلَى الْفَسَادِ وَعِصْيَانُهُمْ لِرَبِّ الْعِبَادِ يَجْعَلُ مَصِيرَهُمْ مَصِيرَ أَهْلِ الْفَسَادِ. فَقَدْ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ: ﴿إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا﴾، وَ﴿وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِدًا﴾.
أَمَّا أَهْلُ الْيَمَنِ، فَقَدِ اسْتَجَابُوا لِنِدَاءِ الرَّحْمَنِ وَخِطَابِ الْقُرْآنِ وَأَحْكَامِ دِينِ الْإِسْلَامِ، وَسَعَوْا إِلَى نُصْرَةِ فِلَسْطِينَ، وَاسْتَجَابُوا لِنِدَاءِ قَائِدِ الْمَسِيرَةِ الْقُرْآنِيَّةِ فِي قِتَالِ أَهْلِ الْكُفْرِ الْمُبِينِ مِنَ الصِّهْيُونِيَّةِ وَالْيَهُودِيَّةِ الْمُجْرِمِينَ، وَصَبَرُوا عَلَى مَا أَصَابَهُمْ، وَثَبَتُوا مِنْ أَجْلِ إِعْلَاءِ كَلِمَةِ رَبِّهِمْ وَنُصْرَةِ إِخْوَانِهِمْ فِي فِلَسْطِينَ.
فَمَنْ رُزِقَ مِنْهُمُ الشَّهَادَةَ فَقَدْ ظَفِرَ بِالْحُسْنَى وَالدَّرَجَاتِ الْعُلَى مِنَ الْجَنَّةِ، وَمَنْ سَلِمَ فَقَدْ فَازَ بِالْأَجْرِ الْعَظِيمِ، وَسَارَعَ لِنُصْرَةِ الْمُسْلِمِينَ فِي فِلَسْطِينَ وَلَمْ يَتَوَانَ أَوْ يَبْطَأْ. وَسَيَزِيحُ أَهْلُ الْإِيمَانِ وَالْحِكْمَةِ بِإِذْنِ اللهِ الْعَدُوَّ الْجَاثِمَ بِكُلْكَلِهِ عَلَى صُدُورِ الْمُسْلِمِينَ.
إِنَّهَا قُوَّةُ اللهِ فِي يَمَنِ الْإِيمَانِ وَالْحِكْمَةِ، الَّذِي أَرَادَ اللهُ بِهِ عِزًّا لَهُمْ وَلِلْمُسْلِمِينَ، وَفَخْرًا لِلْأَجْيَالِ الْمُقْبِلَةِ بِإِذْنِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ: ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ﴾.
إِنَّهَا الْإِخْوَةُ الَّتِي يُحِبُّ اللهُ إِحْيَاءَهَا فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ؛ حَتَّى تَكُونَ فَرَجًا إِذَا دَجَتِ الْكُرُوبُ، وَادْلَهَمَّتِ الْخُطُوبُ. وَكَأَنَّ اللهَ أَرَادَ أَنْ يُمِيتَ الْبَاطِلَ، وَأَنْ يَدْحَرَ قُوَى الشَّرِّ فِي الْعَالَمِ بِأَيْدِي يَمَنَ الْإِيمَانِ وَالْحِكْمَةِ وَأَنْصَارِ اللهِ وَحِزْبِهِ؛ لِيَكُونُوا أَهْلَ حِكْمَةٍ وَعِزَّةٍ وَفَلَاحٍ. فَقَدْ عَمِلُوا بِقَوْلِ الْحَقِّ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾. فَقَدِ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَلِكِتَابِهِ، فَكَأَنَّهُمُ النَّاجُونَ مِنْ عَذَابِهِ. وَلَقَدْ قَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾.
الْعِزَّةُ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ، وَالْخِزْيُ وَالْهَزِيمَةُ لِلْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ، وَلَا نَامَتْ أَعْيُنُ الْجُبَنَاءِ.




