تدهور الحضارة الغربية.. حقيقة أم خيال؟!
أ.د. جاسم يونس الحريري ||
بروفيسور العلوم السياسية والعلاقات الدولية
للاتصال بالكاتب:- jasimunis@gmail.com

وأنا أتهيا لكتابة هذا المقالة لفت نظري الكتاب الموسوم((تدهور الحضارة الغربية أو «انحدار الغرب» (بالألمانية: Der Untergang des Abendlandes)، ترجم إلى اللغة العربية بعنوان ((تدهور الحضارة الغربية)).
وهو عمل من جزئين كبيرين من تاليف الفيسلوف والمؤرخ الألماني ((أوسفالد شبينغلر)) وطبع ((الجزء الأول)) في صيف عام 1918، ثم راجعه أوسفالد في 1922 وطبع الجزء الثاني والعنوان للكتاب ((نظرات في تاريخ العالم)) في طبعة 1923.
يعرض الكتاب كانقلاب كوبرنيكي في النموذج الغربي لرؤية العالم وللمركزية الأوربية فيه، ويعارض بالأخص تقسيم التاريخ خطياً «قديم-قروسطي-حديث»، والتاريخ لا يقسم منطقياً إلى فترات بل إلى ثقافات تطورت كما تتطور الكائنات الحية، ويذكر أوسفالد ثمان ثقافات البابلية والمصرية والصينية، والهندية والميكسيكية (المايا والأزتيك) والكلاسيكية (اليونانية/الرومانية)، والعربية والغربية أو الأوربية-الأمريكية، وللثقافات عمر لكل منها حوالي ألف عام، والمرحلة الأخيرة منها تسمى حضارة حسب اصطلاحه.
كما طرح أوسفالد فكرة ان المسلمين واليهود والمسيحيين وكذلك الفرس والساميين باعتبارهم ثقافات الحكمة القديمة Magian، والثقافات المتوسطية القديمة كاليونان القدماء والرومان باعتبارهم أبولويون Apollonian والغربيين المعاصرين باعتبارهم فاوستيين، الذي لفت نظري الخلاصة التي وصل اليها ووفق نظرية أوسفالد فإن ((العالم الغربي يحتضر وما نشاهده هو الفصل الأخير أو الشتاء للثقافة الفاوستية))، وحسب استخدام شبنغلر فإن(( الرجل الغربي شخص فخور ولكنه مأساوي، رغم كفاحه وإبداعه فإنه لا يعرف غاية حقيقية يمكنه الوصول إليها)).
وعلى موقع “نيو ساينتست” يقدم ((بيتر تورشين))، وهو ((عالم روسي أميركي))، ومتخصص في((النمذجة الرياضية والتحليل الإحصائي))، تحليله حول ((أفول الحضارة الغربية ومسببات ذلك)) عبر دراسة ((الأنماط الرياضية في النظم المعقدة وتطبيقها على التاريخ))، عام2024 حيث يرى بيتر((أن المجتمعات الغربية تتقدم بسرعة نحو حافة الهلاك،وأن عليها اتخاذ قرارات هامة لتجنب هذه الانهيار)).
ويرى ((تورشين)) ((أن انهيار الحضارات كان نمطا طبيعيا ومتكررًا في تطور الثقافات عبر التاريخ، فغالبا ما كانت تتبوأ مرحلة الانهيار والضعف مكانتها بعد مرحلة الازدهار)).
وأقرب مثال على ذلك هو ما حدث ((لإمبراطورية مصر القديمة))، و((الإمبراطورية الرومانية))، وحضارة ((المايا)) (إحدى الحضارات القديمة التي ظهرت في منطقة أمريكا الوسطى والجنوبية)، وأسرة ((تشينغ)) الصينية التي شهدت فترات من الازدهار ثم تلاها الانهيار، ويبدو أن هذا هو المسار الحتمي لأي حضارة.
أما في الوقت الحاضر، فقد تواجه الحضارة الغربية المصير ذاته نظرًا إلى وجود علامات واضحة على أزمات متنوعة، مثل اتساع فجوة التفاوتات الاقتصادية والانقسامات السياسية والصراعات العنيفة، فضلًا عن الكوارث البيئية.
ويَعتَبِر بعض المتابعين أن ما يحدث مؤشر على “أزمات عالمية متعددة” تُشكِّل تهديدًا خطيرًا، ربما يكون وجوديًّا للمجتمعات المعاصرة.ويؤكد تورشين ((منذ أكثر من عقدين من الزمن، توقعتُ أن هذا هو ما ستؤول إليه الأمور في نهاية المطاف، وذلك بناءً على دراسة الأنماط الرياضية في النظم المعقدة وتطبيقها على التاريخ.
وباستخدام هذا النهج، اكتشفتُ أن الاضطرابات السياسية العنيفة تتبع دورات زمنية معينة، إحداها تبلغ ذروتها كل 50 عامًا أو نحو ذلك، وتصل الأخرى إلى ذروتها كل قرنين أو ثلاثة قرون.وبتطبيق هذا النموذج على الولايات المتحدة وغرب أوروبا، فوجئتُ بعدما أظهرت النتائج أن هذه المجتمعات تتقدم بسرعة نحو حافة الهلاك.
في عام 2010، أشرت في دورية “نيتشر” إلى أن الأزمة ستتصاعد وتبلغ ذروتها خلال العقد الحالي.
وبالفعل بعد عشر سنوات، أكدت الأدلة صحة هذه التوقعات)).
نخلص الى القول أن تدهور الحضارة الغربية حقيقة لكنها ستأخذ زمنا للوصول الى ذلك الانهيار.




