الجمعة - 15 مايو 2026
منذ سنة واحدة
الجمعة - 15 مايو 2026

د. محمد العبادي ||


لعلّ الإنسان عندما يعزي بعزيز إنما يعزي نفسه أولاً، ثم يقدم تعزيته للآخرين، وفي جرحك يا أمير المؤمنين ومولى المؤمنين هو جرح للإنسانية، بل هو قتل للإنسانية (فكأنّما قتل النّاس جميعا).

نعم تلك الضربة التي هوى بها ابن ملجم على هامة أمير المؤمنين عليه السلام كانت ضربة لكلّ المقدسات الإسلامية، واستهتاراً بحرمة المسجد والصلاة فيه، بل كانت طعنة نجلاء لأهم أساس من أسس الإسلام وهو الإمامة .

ربما كان الليل معاشاً للخفافيش ..وربما كان نور الإمام علي عليه السلام وهو يخرق الظلام قد أعشى أبصار الجاحدين والظالمين، فبحثوا عن موتور قد تمكّن الحقد منه؛ فوجدوا ضالتهم في شخص ابن ملجم.

لا أدري كيف تسلل الإصر والغل وعبّد آلاف المسالك والدروب نحو الإمام علي عليه السلام في نفوس بعض الناس .

لقد كان الإمام علي عليه السلام موطن الرحمة ، وهل يكره الرحمة أحد ..؟!

لقد كان الإمام علي عليه السلام مغواراً إلهياً غيوراً على الإسلام وقضى أطوار حياته ملازماً للرسول الكريم ومكافحاً ومنافحاً عن الإسلام؛ فكيف انقلبت الموازين، وأصبح الإمام علي عليه السلام غريباً؟! كيف أصبح ذلك الذي خاض ( ٢٦) غزوة مع الرسول من أصل ( ٢٧) غزوة مهمشاً وهو الذي شهد المشاهد كلها وحمل رايتها، وكان فيها ( أمضى من السيف، وأشد من الجذيل)؟!

لا ندري كيف تغذى ذلك الحقد الدفين وتمكن من دخائل القلوب ضد الإمام علي عليه السلام؟!

لا ندري كيف بدأت تلك الكراهية تنمو وتكبر داخل ذلك العلج ابن ملجم ؟!

لقد أطلق الرسول صلى الله عليه وآله كثير من الأقوال والشهادات والأوسمة في حق الإمام عليه السلام، ولو قُدّر لأحد من المسلمين الماضين والحاضرين أن يقول له الرسول واحداً منها؛ لتفاخر بها أبد الدهر على الناس.

انظروا وتأملوا في كلمة الرسول الأكرم لعلي عليه السلام: ( لقد برز الايمان كلّه إلى الشرك كلّه).

الرسول الأعظم ما ينطق عن الهوى، وقد قال عندما خرج علي عليه السلام لمنازلة ابن عبد ود العامري : برز الاسلام والايمان كلّه…

إنّ هذا الإيمان الذي وسعه قلب علي عليه السلام لم يكن وقتياً وانقضى بإنقضاء المبارزة بل هو إيمان مستقر امتدادي، لم تكن هذه الشهادة قضية في واقعة، بل شهادة على ذلك الإيمان العميق والبعيد والذي يدفع بعلي عليه السلام المناجزة في الوقت الذي بلغت فيه القلوب الحناجر،

وهو نفسه الإيمان الذي جعل من الإمام علي عليه السلام يقف وحيداً يجلي الكرب وسيوف الحرب عن الرسول في معركة أحد في الوقت الذي ذهب بها القوم عريضة من ساحة المعركة وهو نفسه الإيمان الذي كرّ فيه على خيبر وقلع بابها في الوقت الذي فرّ منها الناس ..

وتأملوا في قول الرسول الأعظم في الرواية التي ينقلها سعد بن أبي وقاص في محضر معاوية ( من احب عليا فقد أحبني ومن أحبني فقد أحب الله) نعم في محضر معاوية وما يضمره لعلي عليه السلام…وتأملوا في تلك الرواية التي ينقلها أبو سعيد الخدري (يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله..) لاحظوا كيف انطلق الحب بصبابته من قلب علي عليه السلام، وكيف تقابل وعاد بب الله ورسوله له.

إنها أوسمة لها مناسباتها قد علقها الرسول على هامة التاريخ .
لكن التاريخ لم ينصفك ياعلي:
ما أنصفتك المنايا وهي ظالمة***
ولا وفَت لكَ، والأيام تنطلق
نعم لم ينصفوك أيها المؤمن المجهول؛
فقد أشاعوا وصوّروا أن أول من صلى مع خديجة الكبرى خلف الرسول الأعظم؛ بأنه لا يصلي!!!،

ثم صوّروا بأن أهل البيت الذين اذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً بأنهم (خارجين عن الإسلام)،وهكذا ترشح من ذلك على شيعتهم الذين اتبعوهم بإحسان وصوّروهم بأنهم هم: (الكافرون) و(المشركون) . وضرب ذلك الوهم في عرق قلوبهم؛ فتوحشوا على شيعتك يا علي فضربوا فوق الأعناق وضربوا كل بنان ، في الوقت الذي بذلوا مودتهم وخفضوا جناحهم لليهود وحماتهم الذين يقتلون بنا وبأهلنا في فلسطين أبشع القتل .
لقد ضرب ابن ملجم هامة الاسلام عندما ضرب هامة علي عليه السلام .

لقد قتلوا بك الصلاة، وقتلوا بك الإيمان والإسلام .
ويكبرون بأن قتلت وانما ***قتلوا بك التكبير والتهليلا

لقد كان ابن ملجم مجرد أداة استفادوا منها، لكنه كان نسخة من ذلك الكره الهمجي الأعمى الذي تربع على حياة كثير من المسلمين. نعم كان مجرد نسخة وأداة قد جرحت جسد الإسلام بعمق، ونتج عنها ذلك الوجع الكبير المزمن .