الأحد - 14 يونيو 2026

قراءة في كتاب” حكايتي مع الإمام المهدي”..الورقة العاشرة..معركة المهدي الكبرى..!

منذ سنة واحدة
الأحد - 14 يونيو 2026

د. أمل الأسدي ||


يعالج المؤلف في هذا الباب قضية المعركة التي سيخوضها الإمام المهدي(عليه السلام) وذلك بحسب الروايات المنسوبة إلی أهل البيت، وقد رأيت أن أضعها بين يدي القارئ بنقاط وهي كالآتي:

١- صورة الإمام المهدي المتشكلة بحسب هذه الروايات:
تشكلت صورة المعصوم علی أنه قائد عسكري وحسب، يقود معارك طاحنة واحدة تلو الأخری، في جو من الدمار والقتل وهو بذلك يحتاج الی مقاتلين شديدي البأس ليخوضوا معه تلك المعارك المتعاقبة.

٢- الزمكانية التي ترسمها الروايات، زمكانية صاخبة شديدة الحدية، بيئة قائمة علی القتل والدمار، وهذه الصورة العنيفة تجعلك تتصور أن الإمام المهدي يشبه القادة التأريخيين، الذي يخوضون الحروب ويسقطون
الممالك، وتجعلك تتصور أن البشرية بحاجة الی نسخة ثانية من الاسكندر!

٣- أسهمت هذه الروايات والصور المتشكلة عنها في تحجيم دور الفكر والحوار وأساليب التغيير التي دعا إليها القرآن الكريم كوسيلة لإحلال العدل والقسط.

٤- بناءً علی ما تقدم خُلقت لدی الكثير من المعتقدين بالإمام المهدي(ع) ثقافة عامة؛ قائمة علی التفاعل مع جو الأزمات والكوارث والحروب، وكلما حدثت أزمة عالمية استبشروا خيرا بقرب الظهور وآخرها جائحة كورونا، وبهذا صارت الحروب والكوارث طريقا الی الظهور من وجهة نظرهم، وتحوّل الدمار الی شكل من أشكال الخير لأنه يسهّل مهمة الإمام!

٥ـ يطرح المؤلف سؤالا وهو: هل ادخر الله تعالى وليه كل هذه القرون كي يظهر على خراب عالمي فيخوض حروبه وينشر القتل في بقاع الأرض من أجل أن يعم العدل والسلام؟!!
فقد قرأت رواياتٍ منسوبة إلى أئمة أهل البيت (عليهم السلام) وهي لم تخضع للتحقيق والدراسة العلمية في سندها، لكنها منتشرة في الكتب، وقد بنی الكُتّاب عليها تصوراتهم حول شكل العالم قبل الظهور

ومن ذلك:
– عن الإمام علي (عليه السلام) ( بين يدي القائم موت أحمر وموت أبيض، وجراد في حينه وجراد في غير حينه كألوان الدم. فأما الموت الأحمر فالسيف، وأما الموت الأبيض فالطاعون) الإرشاد للشيخ المفيد: 405.

ـ عن الإمام الباقر (عليه السلام): (لا يقوم القائم إلا على خوف شديد وزلازل وفتنة وبلاء يصيب الناس، وطاعون قبل ذلك، ثم سيف قاطع بين العرب، واختلاف بين الناس، وتشتت في دينهم، وتغير في حالهم، حتى يتمنى المتمني الموت صباحاً ومساء من عظم ما يرى من تكالب الناس وأكلهم بعضهم بعضاً) كمال الدين للشيخ الصدوق: 434
وغيرها من الروايات التي تتحدث عن كثرة الموت نحو: أن يموت خمسة من كل سبعة أشخاص وهكذا..

إن هذه الروايات جعلتني أدخل في جو معتم، بالغ التشاؤم، وكنت أشعر بالخوف الشديد، حتی صرت أتمنی أن لا أكون حاضرا في هذه المدة حتی لا أعيش كل هذه العذابات والمآسي! مع أن غاية ما أتمناه أن أكون من أنصار الإمام إلا أن هذا الحاجز المرعب من الدمار والموت يحاصر أمنيتي!

٦- يقول المؤلف: إنه كان يتساءل لماذا لاتخضع هذه الروايات الی التحقيق والفحص؟ فعلماء الشيعة وضعوا معايير دقيقة في محاكمة الروايات وتمييز الصحيح منها عن المكذوب؟

وفي النهاية أصل الی النتيجة نفسها وهي: بسبب ضغط المشاعر الشعبية، فهي التي تمنع العلماء والمحققيين من الخوض في هذا المجال.

ـ جهد الشيخ الجليل آصف محسني:
لقد قام العالم الجليل الشيخ آصف محسني رحمه الله بدراسة روايات البحار دراسة علمية، فخرج بنتيجة صادمة بأنه لا يصح منه إلا عدة مجلدات فقط، فيما تسقط عشرات المجلدات برواياتها سنداً ومتناً. وعلی الرغم من خدمته الكبيرة في هذا الجهد إلا أنه حورب وحوصرت كتبه، فالضغط الشعبي له أثره في أجوائنا، وهو ما يجعل أغلب العلماء والمراجع يحجمون عن بيان رأيهم الصريح في قسم من الطقوس العاشورائية
ـ مثلا- حذراً من ردة فعل شرائح شعبية تعيش الخرافة والجهل والتخلف وتقاتل من أجلها!

٧- يقدم المؤلف رؤيته في الحشد الكبير والمرعب من هذه الروايات ويقول: هناك احتمالات عديدة أدت إلی وجودها وهي:

الاحتمال الأول: إنها وُضعت من الأمويين والعباسيين لتشويه العقيدة المهدوية، وتحويلها من عقيدة ناصعة إلى قصص وتوقعات وأجواء مشؤومة ينفر منها الناس.

الاحتمال الثاني: إنها وُضعت من الاتجاهات الفكرية المنحرفة المعادية للإسلام، الاتجاهات التي ظهرت في العصر العباسي مثل الزندقة وغيرها، وكان رجالها يتصفون بالدهاء والمكر العلمي فوضعوا هذه الروايات لتحريف عقيدة المهدي، ثم تحريف عقيدة الإسلام بشكل عام،

الاحتمال الثالث: كان هناك توجه عند الأمويين والعباسيين وغيرهم من الحكام يريد صرف الناس عن المنهج الصحيح في انتظار الإمام المهدي، فوضعوا كل هذه الروايات المكذوبة، كي يضعف الإحساس بالمسؤولية تجاه الإمام وتتحول فكرة الانتظار من العمل المؤثر إلى الخمول العاجز، فيتراجع اهتمامهم بالعلم وبتطوير قدراتهم علی إحداث التغيير الاجتماعي، وبذلك يحافظ الحكام على مواقعهم في السلطة، ويبقى المجتمع بعيداً عن تحديهم ومقارعتهم.

٨- .يقول المؤلف: إنني وفي حدود قراءاتي لم أجد إلا النزر اليسير من الروايات التي تتحدث عن الإشراقة العالمية التي ستحدث بعد ظهور الإمام (عليه السلام) مقارنة بالكم الكبير من روايات الذعر والدمار!!

كما أنني لم أقرأ ـ في حدود ماطالعت- رواية تتحدث عن ضرورة الاهتمام بالعلم والعمل الصالح والتبليغ الإسلامي والتغيير الاجتماعي وزيادة القدرات الذاتية للفرد والمجتمع، لهذا أتمنی أن تخضع روايات علامات الظهور للدراسة العلمية المتخصصة خدمة لقضية الإمام المهدي ( عليه السلام) فلست عالما دينيا ولامحققا كي أقوم بهذا الجهد، ولاننسی أن العقيدة المهدوية مُستهدَفة من المغرضين، إذ يحاولون دائما إثارة الشبهات حولها ثم إنكارها من الأساس.

الخلاصة: بعد تلك الروايات القائمة علی القتل والدمار والخراب والموت، ظهر الإمام (عليه السلام) الذي ادخره الله لقرون عديدة وكأنه عاجز عن إحداث التغيير المنشود إلا عبر جسرٍ مرعبٍ من الكوارث والحروب!!

وفي الحقيقة فإن الإمام (عليه السلام) خلاصة النبوة والإمامة، فلا يحتاج إلى دمارٍ شاملٍ كي يقوم عليه!!
إنما يحتاج إلى أمةٍ واعيةٍ عاملةٍ تهيئ له أجواء القيادة والتغيير.

ـــــــــــــــــــــــ