الأربعاء - 17 يونيو 2026

ملامح الكارثة بين الثقافي والسياسي..!

منذ سنة واحدة
الأربعاء - 17 يونيو 2026

محمد شريف أبو ميسم ||

المثقف ببساطة، انسان عاقل يملك قدرا من المعرفة التي تؤهله لفعل انساني متحضر ونظرة شمولية للحياة تؤهله الخوض في الجوانب المجتمعية والسياسية وربما الفكرية منها، ويختلف اختلافا كبيرا عمن يمتلك أدوات الابداع وليس له أي رصيد من المعرفة، ولكنهما قد يلتقيان وهما بصدد البحث عن التميز .

أما اذا كان المثقف مبدعا فهو وبالضرورة قادر على رؤية ما لا يراه الآخرون، وسيتصف بمزية الجمع بين تجليات الوعي الناجم عن المعرفة أو ما يسمى بالعقل النقدي وبين تهذيبات أدوات الابداع الأخرى التي تمنحه القدرة على البوح بتميز.

وفي نهاية المطاف قد يلامس أوجاع الناس، ويتألم لألمهم وربما يثقل بهمومهم، حينها سيحاول التأثير على قناعات هؤلاء الناس، ويطالبهم بالتغيير والمشاركة في صنع القرار السياسي، فيكون سياسيا بامتياز.

الا انه قد يصطدم بديناميكية الحياة التي تحكمها مجموعة الموروثات ومنظومات الأنا الأعلى وهوس الخوف من نتائج التغيير التي تحكمها الخشية من المجهول، فيتحول وهو بصدد البحث عن خطاب تجديدي يليق بمستويات الناس الى سياسي متجدد،

حينها “وفي أغلب الأحيان” لا يمكن الفصل بينه وبين السياسي البرغماتي الغير معني بهموم الناس والذي يتصف بعدم قبول الآخر حتى وان أعلن خلاف ذلك. اذ ان السياسة قامت أو قعدت، هي شكل من أشكال تنظيم علاقات القوة والنفوذ بين الأفراد والجماعات، وهي في بعدها الآخر وسيلة للهيمنة على السلطة والموارد تحت ذرائع مختلفة، حد انزلاق النبلاء والزهّاد ما لم يحاطوا بأمثالهم .

ويمكن الحصول على تعريف ايجابي للمثقف السياسي، بمعزل عنه وهو بصدد تحقيق أهدافه، بمعنى ان السياسة عندما تكون مجرد أنشطة مجتمعية، فان المثقف يمكن أن يكون عنصرا ايجابيا فيها، ويمكن كذلك للمبدع الغير مثقف أن يكون أداة فاعلة فيها،

الأمر الذي ينطوي على حقيقة قد لا يقبلها الكثير منا، وهذه الحقيقة مفادها (ان أغلب الساسة النبلاء على مدار التاريخ الانساني كانوا من المبدعين “بشكل أو بآخر”،

ولكنهم خسروا المواجهة مع الطغات) ولم يحظوا باجماع وتأييد الغالبية من الجمهور الا بعد مماتهم، لأن المواجهة عادة ما يكون لها ثمن وضحايا، فيما تتطلب فكرة ترسيخ الخير والحق ولفت أنظار الناس الى الجمال قدرا من التوازن بين نقيضي السلام والحرب.

وهذا التحليل المتواضع ناجم عن سهولة التشابك بين الثقافي والسياسي، وهو لا يعني التسليم بحقيقة الهيمنة المطلقة للسياسي على الثقافي، ولكنه يستدعي النظر الى هذه الاشكالية التي ما زالت تلقي بظلالها على المشهد السياسي في المنطقة العربية، بعد أن تم عزل الثقافة عن المعرفة المنتجة ، واقحام المثقفين في غياهب المحاكات وأتون الابداع القائم على الماورائيات .

ومن هنا لم نجد أثرا فعليا في الساحة السياسية التي تشتبك فيها المفاهيم تحت مظلة الثقافة، ولا حتى ردات فعل لأحداث كادت أن تدعو الموتى للاحتجاج ، فكم من وقائع وأحداث عربية وجرائم هزت مشاعر الغانيات في بلدان عديدة من العالم خلال الأشهر الماضية، أحداث كبر لأجلها الخجل في سواد كل العيون الوقحة في العالم ،

الا انها لم تتمخض عن منجز ابداعي لافت في الأوساط الثقافية العربية التي تقودها السياسة، وضل الثقافي وهو يلتقي مع الابداعي تحت معطف السياسي، في وضع لا يجيد فيه أكثر من الاجترار وهو يعيد انتاج ما تقدمه مؤسسات العولمة،

وفي أفضل الأحوال بقي مشغولا بالمهرجانات وتوزيع الجوائز على (البلوكرات والفاشنستات) دون موقف ابداعي يدين الطغاة أو يجرّم الابادات التي يتعرض لها الأبرياء، ولا حتى ادانة للفوارق الاجتماعية أو سلب الثروات وسوء توزيعها، الا في مساحات الاطمئنان من ردات الفعل،

والاكثار من الشتائم وهو بصدد المنابزات في الهويات الفرعية.