التاريخ وتكراره..!
أمين السكافي ـ صيدا ||

ما أشبه اليوم بالبارحة فكيفما نظرت حولي لا أرى إلا التاريخ يتكرر وبأدق تفاصيله، فعام ٨٢ كانت البلاد على موعد مع (الأجتياح) الإسرائيلي للبلاد وكان وقتها البلد مقسوما لعدد من الأقسام المتناحرة،
الجنوب كان تحت سيطرة منظمة التحرير ومعها بعض الأحزاب اللبنانية ،وكان الجيش السوري متواجدا في بعض المناطق أما الجبل فكان موزعا بين الحزب التقدمي وأحزاب مسيحية ، بالنسبة لبيروت العاصمة فكانت مقسمة بين شرقية يحكمها حزب القوات اللبنانية وعلى رأسها السيد بشير الجميل، الذي كان حليفا موثوقا للكيان أما المنطقة الغربية فكانت تحت سيطرة فصائل منظمة التحرير الفلسطينية، وبعض من أحزاب لبنانية وكان ما كان ودخل الكيان بجيشه لبنان في حزيران ومضى بإتجاه بيروت، حيث كانت مسيرته التدميرية للبشر والحجر.
لم يكن هناك من مقاومة جدية إلا ببضعة كمائن صمدت له في الطريق، حتى وصل خلدة وهنا كان أول تصدي حقيقي له من مجموعات تشكلت من حركة أمل والجبهة الشعبية القيادة العامة ليتخطاه بعد أن تكبد الخسائر ليصل إلى تخوم بيروت حيث وقف على أبوابها .
بيروت صمدت وقاتلت ودافعت ودفعت الدماء والدمار والأرواح و رغم الكم الهائل من النار والبارود الذي تعرضت له لمدة ثلاثة أشهر صمدت بيروت، وصمودها أدهش العالم لا طعام ولا ماء وأشلاء في كل مكان ومع ذلك بيروت المحاصرة من كافة الجهات صمدت،
الكل قاتل في بيروت والكل دافع عن بيروت حتى تم التوصل إلى إتفاق يقضي بخروج فدائيي الفصائل الفلسطينية وعلى رأسهم أبو عمار من بيروت الغربية، بحرا إلى شتات جديد وكأنما هذا قدر الفلسطينيين أن يبقوا من لجوء إلى آخر أما بعضهم فقد فضل الذهاب برا إلى سوريا وتوقفت آلة الحرب الإسرائيلية،
كان من شروط الإتفاق المجيء بقوات متعددة الجنسيات لتستلم أمن بيروت الغربية ،ومخيماتها وليكونوا في عهدتها وهنا كانت أصعب اللحظات على المقاومين فالعالم بأكمله قد إجتمع عليهم فمن الجهة الشمالية والشرقية لبيروت كانت أحزاب الجبهة اللبنانية تحاصرهم وتمنع عنهم كل ما يمت لسبل الحياة بصلة،
من الجهة الجنوبية والغربية بحرا كان الجيش الصهيوني يفرض طوقا وحصارا شديدين ،وإكتملت الصورة بنزول المارينز والمظليين الفرنسيين إلى شواطئ بيروت وقبل هذا كله خسارتهم للفصائل الفلسطينية التي كانت العمد والسند، ولتكتمل الصورة فقد أوتي ببشير الجميل وهو من هو في علاقاته الأميركية والإسرائيلية ليكون رئيسا للجمهورية.
شعر الجميع حينها بأننا في قلب العاصفة وأننا دخلنا تحت العصر الأميركي الإسرائيلي وحلفائهم وأن الدنيا أطبقت علينا وأصبحنا وكأننا في يوم الحشر.
كَلَّا إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ ﴿۲٦﴾ وَقِيلَ مَنْ ۜ رَاقٍ ﴿۲٧﴾ وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ ﴿۲۸﴾ وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ ﴿۲۹﴾ إِلَىٰ رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ ﴿۳۰﴾.
في هذه اللحظات التي عم بها ظلام الأعداء على بقعتنا من الأرض الرافضة لكل ظالم ومعتدي، وشعر الجميع بأن رحلة النضال قد إنتهت عندها برز بصيص أمل ،عندما قام القومي السوري حبيب الشرتوني بتنفيذ حكم الإعدام بالرئيس الحليف للكيان هو ومن معه من رفاق دربه في بيت الكتائب حيث كان يلقي كلمته ،
هنا إختلطت الأوراق ودخلت القوات الصهيونية بيروت الغربية ضاربة بالإتفاق الذي تم سابقا عرض الحائط، ولتساهم مع الكتائبيين في إرتكاب مجزرتي صبرا وشاتيلا بأقذر ما قد يرى الإنسان من وحشية وبربرية تجاه أخيه الإنسان، مجزرة أدان بشاعتها العالم كله بما فيه الداخل الإسرائيلي.
هنا كانت ساعة الصفر قد أتت مع المقاوم خالد علوان القومي في مقهى الويمبي في شارع الحمراء عندما قام بقتل ثلاثة ضباط إسرائيليين كانوا في المكان، ولتنطلق جبهة المقاومة اللبنانية وفي صلبها حركة أمل وحزب الله الوليد،
تكفل الحج رضوان بمشاة البحرية الأميركية وحلفائهم الفرنسيين فقاموا بالإنسحاب والعودة إلى بلادهم بعد أن صعب عليهم تحمل الأثمان الكبيرة التي دفعوها، كما تكفل أمير الإستشهاديين أحمد قصير بمقر الحاكم العسكري في صور ولتبدأ العمليات من كل حدب وصوب منزلة بالعدو الخسائر الجسام ، دافعة إياه إلى التراجع عن بيروت ومن ثم عن الجبل وصولا لصيدا التي لم يعمر فيها أيضا .
بدأت المقاومة من لا شيء قاتلت باللحم الحي وبمخلفات منظمة التحرير ،وبدأ ساعدها يشتد حتى أصبحت ندا للعدو الصهيوني الكل شارك بداية في المقاومة ولم يبخل أحد بأي شيء لدعم هذه المسيرة، حتى إستلم الأمانة حزب الله عند ما سمي بالشريط الحدودي وكان نعم المؤتمن على أمانة المقاومة والجهاد ، وكما عبر السيد عباس الموسوي الوصية الأساس حفظ المقاومة .
الخلاصة أعزائي وكما ذكرنا ما أشبه اليوم بالبارحة ولكن تبقى هناك فروق فالمقاومة اليوم ليست وليدة اللحظة ،بل هي كيان كبير منظم ومجهز وقد راكمت الكثير من الخبرات بالسياسة والإعلام والأمن والعسكر من خلال قتالها ضد العدو الصهيوني وضد تكفيريي سوريا وضد ظلمة شعب البوسنة وغيرهم ، وجمهورها وبيئتها اليوم أكبر وأوعى وتقف معها ولديها كل الثقة بالمقاومة، وتحيطها بعنايتها.
فكما صمدنا وقاتلنا عام ٨٢ فنحن اليوم في جاهزية أكبر ومقومات الثبات والصمود أكثر فلا يجربنا أحد ولا يحاول معنا أحد،
وكما واجهنا عام ٨٢ فإننا اليوم في جاهزية أكبر وكما أسقطنا في السادس من شباط إتفاقية الإذعان (١٧ أيار) فنحن اليوم مستعدون لأي شيء وكل شيء لحماية الوطن وسلامة أراضيه وفداء شعب لبنان العظيم بكل ما نمتلك وصولا لدمائنا .




