الأربعاء - 17 يونيو 2026

إيران وخيارات التضحية: قراءة في رواية أوس الخفاجي..!

منذ سنة واحدة
الأربعاء - 17 يونيو 2026

ناجي الغزي/ كاتب سياسي ||

 

أثار قائد قوات “أبو الفضل العباس”،الشيخ أوس الخفاجي، في برنامج فيتو مع أحمد الحربي بقناة الرشيد الفضائية، جدلاً واسعاً بتصريحاته التي سلّط فيها الضوء على ملفات حسّاسة تتعلق بالفصائل العراقية وإيران ومعادلات النفوذ الإقليمي. كشف حديث الخفاجي عن عمق التناقضات في الساحة السياسية والعسكرية، وتفاصيل دقيقة تعكس واقعاً مضطرباً في العراق والمنطقة. وتصريحات الخفاجي، تكشف جانباً معقداً من المشهد السياسي والعسكري في المنطقة، حيث تتشابك المصالح الوطنية والإقليمية في إطار لعبة نفوذ لا مكان فيها للثوابت الأخلاقية، وإنما للمصالح الاستراتيجية فقط. هذا التحليل يعيدنا إلى الأسئلة الجوهرية حول أولويات الدول والفصائل، وحدود الولاء بين الحلفاء.

* الفصائل بين السلاح والرفاهية*

يُشير الخفاجي إلى معادلة دقيقة تواجه الفصائل العراقية، مفادها الاختيار بين المقاومة المسلحة أو تسليم السلاح مقابل رفاهية الشعب. هذا الطرح يعكس وعياً بمآلات الخيارات العسكرية في ظل المتغيرات الإقليمية والدولية.

الخيار الثاني الذي يدعو إليه الخفاجي ليس فقط تسليماً بضرورة التغيير، وإنما دعوة لإعادة ترتيب الأولويات الوطنية بعيداً عن الشعارات الكبرى التي غالباً ما تكون على حساب الشعب.

كما أوضح الخفاجي أن مصير الحشد الشعبي لن يُحسم بسهولة، ولكن ملف الفصائل العراقية العسكرية يبقى قيد التفاوض. هذا التفاوض وفق الخفاجي، يرتبط بمدى استعداد هذه الفصائل للتكيف مع المتغيرات، مؤكداً أن بعضها يندمج تدريجياً في العمل السياسي وتتلقى رواتبها من هيئة الحشد الشعبي، بينما تُركت فصائل أخرى في مساحة رمادية.

الأهم في حديثه هو طرحه معضلة الفصائل العراقية، والاختيار بين استمرار المقاومة المسلحة أو تسليم السلاح مقابل تحقيق رفاهية الشعب. من وجهة نظر الخفاجي، هو الخيار الأكثر عقلانية في ظل الظروف الراهنة، حيث يرى أن التضحية بالسلاح يمكن أن تخدم المصلحة العامة للشعب العراقي، الذي أنهكته العقوبات والصراعات المسلحة.
تلك المعادلة تفتح باب التساؤل: هل تستطيع الفصائل التكيّف مع متطلبات الواقع الجديد؟ أم أن ثقافة المقاومة قد أصبحت جزءاً لا يتجزأ من هويتها، بحيث يصبح التغيير أمراً مستحيلاً؟

إيران براجماتية المصالح وتضحيات الأذرع

تصريحات الخفاجي حول موقف إيران تحمل رسائل متعددة الأبعاد. فهو يرى أن طهران، في سعيها للحفاظ على كيانها، لا تتردد في التضحية بحلفائها أو حتى بأذرعها القوية إذا استدعت مصلحتها العليا ذلك. تشبيه “السيد حسن نصر الله” باليد اليمنى التي تُضحى بها لصالح “القلب”، يعكس فهماً عميقاً لطبيعة السياسة الإيرانية التي تقوم على براغماتية مفرطة، حيث لا حليف دائم، بل مصلحة دائمة.

هذا التصريح يحمل اتهاماً مباشراً لطهران بالبراغماتية المفرطة، التي تجعلها مستعدة للتخلي عن حلفائها إذا اقتضت مصالحها العليا ذلك.

كما كشف الخفاجي أن إيران “ضحّت بسوريا” وتركت نظام الأسد وحيداً في مواجهة الوشايات التي استهدفت الحرس الثوري الإيراني هناك، مما يعكس نظرة إيران إلى حلفائها كأدوات يتم استخدامها أو التضحية بها حسب الحاجة.

إيران ومعركة طوفان الأقصى

يطرح الخفاجي نقطة مثيرة للجدل وهي قضية “معركة طوفان الأقصى” كأحد أبرز الأمثلة على نجاح العمل بعيداً عن النفوذ الإيراني. التصريحات تؤكد أن السرية التي أحاطت بالعملية جاءت نتيجة لعدم إشراك طهران فيها، مما أتاح لها تحقيق أهدافها بعيداً عن التسريبات أو التدخلات. هذا الطرح يثير تساؤلات حول طبيعة العلاقة بين إيران والفصائل الفلسطينية، واستقلالية المقاومة الفلسطينية، ومدى تأثير ارتباطها بإيران على فاعليتها.

كما ألمح الخفاجي إلى أن الابتعاد عن النفوذ الإيراني قد يُمكن المقاومة من تحقيق أهدافها بفعالية أكبر، وهو تصريح يعكس واقعاً داخلياً متأزماً بين الفصائل المتحالفة مع إيران وتلك التي تسعى للاستقلال بقراراتها.

تفكك الأيديولوجيا القتالية

وجه الخفاجي انتقادات لاذعة لبعض الفصائل العراقية، واصفاً رئيس منظمة بدر، هادي العامري، بأنه يشبه “أبو محمد الجولاني” من حيث الأيديولوجيا القتالية، لكنه أشار بسخرية إلى تخلي العامري عن “سلاحه وتحوله إلى شخصية كيوت” في إشارة إلى انخراطه في العمل السياسي وابتعاده عن العمل العسكري.

كما كشف عن موقف أحد قادة الفصائل العراقية خلال اجتماع حول سوريا، والذي قال فيه: “لو تهدم قبر السيدة زينب طابوقة طابوقة ما راح نتدخل” مما يعكس تغيراً في أولويات بعض الفصائل التي باتت تفضل البقاء بعيداً عن الصراعات الخارجية.

رسائل أميركية مشفرة

أشار الخفاجي إلى إدراج اسمه في “قائمة الإرهاب” التي أصدرها السيناتور الأميركي “جو ويلسون” معتبراً هذا القرار ظلماً له لأنه لم ينفذ عمليات ضد الأميركيين مقارنة بغيره من الفصائل.

أما غياب بعض الفصائل العراقية المدعومة إيرانياً عن القائمة بحسب الخفاجي، يقول ليس مصادفة، بل هو ورقة تفاوضية تُستخدم في إطار استراتيجية أميركية أكبر تهدف إلى ضبط إيقاع النفوذ الإيراني في العراق والمنطقة. وإجبار إيران للعودة إلى طاولة المفاوضات، إما عبر تهديد حلفائها أو عبر رسائل مبطنة تحمل فرصاً للمساومة.

وهنا يسلط الضوء على تطور آخر في اللعبة السياسية. يرى الخفاجي أن هذه القائمة ليست سوى ورقة ضغط أميركية في إطار لعبة الابتزاز السياسي التي تهدف إلى تقويض النفوذ الإيراني.

ختام التصريحات
اختتم الخفاجي تصريحاته برفضه المزايدة على “الصدريين” في مسألة مقاومة الاحتلال، وهو تصريح يحمل أكثر من معنى. فمن جهة، يشير إلى عمق الانقسام الداخلي بين الفصائل العراقية، ومن جهة أخرى، يطرح تساؤلات حول قدرة هذه الفصائل على تشكيل رؤية وطنية موحدة بعيداً عن النفوذ الخارجي.

كما تعكس تصريحات الخفاجي صورة مأزومة للواقع السياسي والعسكري في العراق والمنطقة. إنها صورة تُظهر أن الخيارات باتت محدودة، وأن المصالح الإقليمية والدولية تتفوق غالباً على الطموحات الوطنية. في هذا المشهد المعقد، يبدو أن الجميع، بما فيهم الفصائل، مجرد أدوات في لعبة أكبر من حدودهم الجغرافية والسياسية

تصريحات أوس الخفاجي ترسم صورة دقيقة لمشهد معقد. فهو يُسلط الضوء على تضارب المصالح بين إيران وحلفائها، وتناقضات الفصائل العراقية، وخياراتها الصعبة بين البقاء كمقاومة مسلحة أو الدخول في المسار السياسي.

في ظل هذه المعادلة الشائكة، يبدو أن الفصائل العراقية أمام مفترق طرق، بينما تستمر إيران في لعبتها البراغماتية التي لا تتردد في التضحية بالأذرع مقابل حماية المركز. أما الشعب العراقي، فهو الضحية الأكبر في لعبة المصالح الإقليمية، التي يبدو أنها لن تنتهي قريبًا