العراق بين التحديات والتوازن في ظل تعقيدات المشهد الدولي..!
ناجي الغزي/ كاتب سياسي ||

لا يزال العراق يقف على مفترق طرق، حيث تُشكل تعقيدات المشهد الإقليمي والدولي اختبارًا حقيقيًا لقدرة الدولة على تحقيق التوازن بين مصالحها الوطنية وبين الضغوط الخارجية المتزايدة. مع تصاعد التوترات بين القوى الإقليمية والدولية، يواجه العراق تحديًا وجوديًا يتمثل في الحفاظ على استقلالية قراره الوطني وسط تنازع النفوذ بين المحاور المتصارعة، خاصة في ظل إدارة ترامب التي تتبنى سياسات صارمة تجاه المنطقة.
التحديات في مواجهة الضغوط الإقليمية والدولية
1. السياسات الأمريكية المتشددة تجاه إيران وتأثيرها على العراق
تتبنى الإدارة الأمريكية بقيادة دونالد ترامب سياسة تضييق الخناق على إيران، ما يضع العراق في دائرة الصراع بشكل مباشر. بالنظر إلى العلاقات العميقة بين بغداد وطهران، فإن الضغوط الأمريكية على الحكومة العراقية لتقليص هذه العلاقات تلقي بظلالها على استقرار العراق الداخلي. تحذيرات واشنطن المتعلقة بتقييد استيراد الغاز الإيراني وتوجيهها لملف الفصائل المسلحة العراقية المحسوبة على إيران تمثل تحديات مباشرة للحكومة العراقية، التي تجد نفسها في مواجهة معقدة بين الامتثال للمطالب الأمريكية وتجنب تأجيج الأوضاع الداخلية.
2. التحديات الداخلية والفصائل المسلحة
تُشكل الفصائل المسلحة العراقية المرتبطة بإيران تحديًا داخليًا لا يُستهان به. أي محاولة للامتثال للضغوط الخارجية قد تُفسَّر على أنها خيانة من قبل هذه الفصائل، ما يهدد بزعزعة الاستقرار الأمني والسياسي. هذا المشهد يعكس هشاشة الموقف العراقي الذي يحتاج إلى معالجة دقيقة لتجنب تفاقم الانقسامات الداخلية.
3. التشابكات الإقليمية والدور العراقي
يقع العراق في قلب الصراع الإقليمي، حيث تتقاطع المصالح الإيرانية والأمريكية مع مصالح دول الخليج وتركيا. أي تصعيد في المنطقة سيضع العراق أمام خيارات صعبة، قد تتعارض مع جهوده للحفاظ على استقلالية قراره الوطني.
الاستراتيجيات الممكنة لتحقيق التوازن
1. سياسة الحياد الإيجابي: يمكن للعراق أن يتبنى نهج “النأي بالنفس” الذي يُتيح له تعزيز علاقاته مع مختلف الأطراف دون الانحياز لأي محور. هذه السياسة ستُمكِّن العراق من التعامل بمرونة مع الضغوط الدولية، مع التركيز على تقوية ركائز سيادته الوطنية.
2. تنويع التحالفات الدولية: يعد تعزيز الشراكات مع دول مثل الصين وروسيا والاتحاد الأوروبي خياراً استراتيجياً لتخفيف الاعتماد على المحاور التقليدية. الانفتاح على هذه القوى قد يُمكِّن العراق من بناء شبكة توازن جديدة تُقلل من تأثير التوترات الإقليمية. خطوة السوداني باتجاه بريطانيا تمثل نموذجًا لتوجه العراق نحو تنويع تحالفاته الدولية، وهو أمر ضروري لتحقيق توازن سياسي واستراتيجي. لذلك جاءت زيارة السوداني إلى بريطانيا لتعزيز العلاقات الدولية وتوسيع التحالفات، هذه الخطوة تأتي كجزء من استراتيجية العراق لتحقيق التوازن في علاقاته الخارجية وتنويع شراكاته الدولية بعيداً عن الاعتماد الكامل على الولايات المتحدة أو أي محور تقليدي آخر. باعتبار بريطانيا قوة دولية يمكنها لعب دور داعم لاستقرار العراق على الساحة الدولية، خاصة في ظل تصاعد التوترات الإقليمية والدولية.
3. تعزيز الاستقرار الداخلي: يواجه العراق تحديات داخلية وإقليمية معقدة تُحتم عليه تعزيز استقراره الداخلي ليتمكن من الصمود أمام الضغوط الخارجية وإدارة مصالحه الوطنية بكفاءة. لذا يتطلب من الحكومة العراقية والقوى السياسية تعزيز الاستقرار الداخلي وتضافر الجهود السياسية والاقتصادية والأمنية لضمان بناء دولة قادرة على مواجهة التحديات المتزايدة. كما يُشكل الاستقرار الداخلي أحد أهم الركائز لمواجهة الضغوط الخارجية. وذلك من خلال استمرار الحكومة في مشاريع الإعمار وتعزيز ثقة الشعب بالدولة يمنحها ميزة استراتيجية للتعامل مع التحديات الإقليمية والدولية. تعزيز وحدة الصف الوطني يحد من الانقسامات الطائفية والسياسية التي يمكن أن تكون مدخلاً للتدخلات الخارجية. وكذلك محاربة الفساد والحد من استمراريته في مؤسسات الدولة يعوق تنفيذ مشاريع التنمية ويؤثر سلباً على ثقة المواطنين.
4. تنويع الاقتصاد الوطني: يمثل الاعتماد الكبير على النفط نقطة ضعف كبيرة في الاقتصاد العراقي. إن تطوير قطاعات بديلة مثل الصناعة والزراعة سيوفر مرونة أكبر للعراق في مواجهة الأزمات الاقتصادية العالمية، ويُعزز من استقلالية قراره الوطني. وكذلك تعزيز المناعة الاقتصادية تساهم في الاستقرار الداخلي في خلق بيئة ملائمة للاستثمار وتنويع مصادر الدخل، مما يقلل الاعتماد على النفط ويزيد من استقلالية القرار الوطني.
5. الوساطة الإقليمية: العراق، الذي يعيش في ظل تحديات داخلية وخارجية متداخلة، يدرك أن استقراره الداخلي لن يتحقق إلا من خلال تخفيف التوترات في المنطقة. ولهذا السبب، يمكن أن يكون الوسيط الذي يجمع بين الأطراف المتنازعة، مستنداً إلى موقعه الجغرافي وعلاقاته التاريخية مع مختلف القوى قد يلعب العراق دور الوسيط الإقليمي بين إيران والولايات المتحدة، وهو دور يتناسب مع موقعه الجغرافي وتاريخه الدبلوماسي. تعزيز مكانة العراق كوسيط قد يُحوله من طرف متأثر بالصراعات إلى لاعب فاعل يسعى إلى تحقيق التهدئة.
بين التحديات والرؤية الاستراتيجية
من المتوقع أن تُواجه الحكومة العراقية عقبات حقيقية إذا ما حاولت الاستجابة للضغوط الأمريكية، إذ قد تؤدي هذه الخطوات إلى فرض عقوبات اقتصادية أو حتى تصعيد داخلي من قبل الفصائل المسلحة. علاوة على ذلك، فإن غياب التوافق السياسي بين مختلف القوى العراقية يُعقِّد اتخاذ القرارات المصيرية.
ولتحقيق التوازن المطلوب، يحتاج العراق إلى استراتيجية واضحة تقوم على تعزيز السيادة الوطنية، وتحقيق التكامل بين المصالح الداخلية والخارجية. يُمكن للعراق أن يُقدم نفسه كلاعب إقليمي يسعى إلى الحلول لا التصعيد، مع تأكيد التزامه بمصالحه الوطنية بعيدًا عن أي استقطاب دولي أو إقليمي.
إن قدرة العراق على المناورة بين هذه التحديات تتطلب قيادة واعية تتبنى قرارات شجاعة تضع مصلحة الشعب فوق كل اعتبار. فقط من خلال رؤية استراتيجية شاملة، يمكن للعراق أن يُحافظ على استقلالية قراره الوطني ويُرسخ مكانته كلاعب محوري في المشهد الإقليمي.




