“الإمامة”..المعمار الإسلامي الأكبر..!
عمار محمد طيب العراقي ||

مع ان الإسلام نص وبما لا لبس فيه؛ على أن “الإمامة” اصل شرعي مفروض على الأمة، وأن وضعها ضمن سياقات التفكير والمنطق؛ يراد منه وضع طريقة عقلية وشرعية؛ لتداول السلطة بعد رسول الله، وأن هذه الطريقة، تضع السلطة في نصاب عقلائي، ينسجم مع الرؤية قبل التشريع، إرتكازا مع متطلبات الواقع العربي المعروفة، والتي ما تزال قيد التداول الى اليوم، لتوافقها مع منطق إشياء العرب، إلا أن بعثة الصحابي الشاب أسامة بن زيد، وما خلفتها من أحداث نرى آثارها الى اليوم، تعكس لنا تفسيرا مقبولا وحاسما لموضوع الإمامة..
ما نعلمه أن علي ابن أبي طالب، بمكانته المعروفة الحاسمة، ومنزلته الراقية التي لا يشوبها غبار السنين، لم يخرج مع أسامة، وبقي في الساعات الأخيرة لحياة النبي، مرافقا لجثمان الرسول، مؤديا أولى واجباته في إدارة الدولة، كزعيم ثابت منصوص عليه، من قبل الرسول نفسه، ونقرأ ذلك في خطبة الوداع، التي ألقاها على المسلمين في غدير خم، قبيل البعثة الأسامية بوقت قصير..!
لقد كان علي في نصاب بعثة أسامة بن زيد، محركا فاعلا قويا، بل ومؤديا لبعض تفاصيلها المهمة جدا، لكنه لم يخرج مع جيش أُسامة؛ وظل بالمدينة حتّى وفاة الرسول الأعظم، لأنه كان إزاء واجب اكثر أهمية..!
علي وهو العالم المعلم، كان يؤدي تفاصيل مهمة جدا، من بعثة أسامة بن زيد، فقد كان سيد الساحة وزعيمها الموصى به..من كنت مولاه فعلي هذا مولاه، وهو واجب سيادي كبير للأمة الإسلامة حان أوانه، ونتذكر هنا خطبة الوداع..وأني مودع فيكم الثقلين..كتاب الله وعترتي بشهادة 125 الف من الصحابة..!
علي كان الآمر المؤمر، شخص رقم (2) في الإسلام، هو الثاني نصا وشرعا، ولا يحتاج من يذكره بواجباته، ونتذكر أن رسول الله، لم يؤمّر على علي أحداً طيلة حياة النبي، بل أن الرسول لا يريد أن يجعل شخصاً فوق علي أبدا، مّا يدل على أفضلية علي على غيره بشكل قاطع.
عليّ قائد عسكري محتك، ويعرف ما يكون وما هو كائن، وهو يعرف أنه مؤد حقيقي لواجباته كمسلم ثان، ونتذكر أننا لا نجد ولا إشارة تاريخية تذكر أنه تخلف عن أمر ما، خلافاً لبقية الصحابة الكبار الذين أمروا بالخروج مع أسامة ولم يفعلوا؟!
في قراءة عقلية تقرأ الأحداث بجميع تلاوينها، ونكتشف أن “الإمامة” مقام الهي، وليس مقاماً من صنع البشر، وهو كالنبوة ولا تختلف عنها، الا ان ثمة فوارق دقيقة وفق هذا المفهوم، إذ لا يحق للبشر ان ينتخبوا ويعينوا لهم اماماً للمقام الديني، وهذا مصطلح معروف عند المسلمين وهم يعونه لكن يختلفون في قراءته..!
الأمة على طوائف تختصر بطائفتين: طائفة عموم المسلمين، التي تقول بالإمامة بانها فرع من فروع الدين، والناس تختار الامام الذي يقودها، وطائفة تقول نقيض ذلك، فترى الحق واضح وصريح، وهي تختلف اشد الاختلاف، في مفهوم الامامة عن بقية الطوائف الاخرى.
“الامامة” منصب الهي بقوله تعالى: (وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ).
الامامة مقام الهي؛ ولن تجدها ابدا من صنع البشر، وإلا لأختلفوا، وفي السنة الشريفة احاديث متواترة مستفيضة، وكلها تؤكد على حصر “الامامة” بأشخاص محددين، وقد عين النبي الاكرم، خليفته بوضوح شديد في حديث من: كنت مولاه فعلي هذا مولاه..الحديث الذي سمعه حتى الطير..!
في الساعات الأخيرة لرسول الله، كان عليا قد نهض فورا بواجبه بقيادة الأمة..البراء بن عازب يقول: كنا مع رسول الله في سفر، فنزلنا بغدير خم فنودي فينا الصلاة جامعة، وكسح لرسول الله تحت شجرتين، فصلى الظهر وأخذ بيد علي فقال: ألستم تعلمون اني أولى بالمؤمنين من أنفسهم؛ قالوا بلى، قال ألستم تعلمون انى أولى بكل مؤمن من نفسه، قالوا بلى، قال فأخذ بيد علي فقال من كنت مولاه فعلي مولاه اللهم وال من والاه وعاد من عاداه..
لقيه عمر بعد ذلك فقال له هنيئا يا ابن أبي طالب أصبحت وأمسيت مولى كل مؤمن ومؤمنة..
لقد كان عليا هو المولى مفروض الطاعة وجوبا، ولكن من قال له هنيئا يا ابن أبي طالب: أصبحت وأمسيت مولى كل مؤمن ومؤمنة، جحده وجحد زوجته كريمة رسول الله، بل أخذ منها ملكها الذي ورثته من ابيها الرسول، وأسس هذا الرجل عن وعي مسيرة الظلم الأبدي..
اينك يا غير العربي المقاتل الشاب أسامة؟! اينك ايها المسلم المولى رساليا على العرب، هل ثمة وصية أوصيت بها، بلغة عربية لا نفهمها نحن..أم أن توليتك عليهم؛ أشارة الى ما يحدث هذا الزمان من ملاحم وفتن؟!
أضنها هكذا، بل هي هي ولكن بلغة عربية لا يفهمها العرب..!
شكرا
7/1/2025




