الأربعاء - 17 يونيو 2026

عراق بلا ذاكرة: إخفاق السلطة في دفن إرث البعث وصناعة هوية جديدة..!

منذ سنة واحدة
الأربعاء - 17 يونيو 2026

ناجي ألغزي/كاتب سياسي ||

 

بعد سقوط نظام البعث في عام 2003، وُلدت الآمال في بناء عراق جديد يتجاوز إرث الاستبداد والديكتاتورية، ويُؤسس لدولة ديمقراطية حديثة قائمة على العدالة والحرية.

لكن ما حدث بعد أكثر من عقدين من الزمن يعكس فشلًا ذريعًا للطبقة السياسية الحاكمة في تحقيق هذا التحول. بدلًا من القطيعة مع الماضي، استمرت مظاهر إرث البعث في كثير من أوجه الدولة، بما في ذلك المناهج الدراسية، والعلم الوطني، والنشيد الوطني، وحتى بعض القوانين التي وُضعت لخدمة النظام السابق.

تقصير السلطة الحاكمة في العراق

رغم السيطرة المطلقة التي امتلكتها القوى السياسية، وبالأخص حزب الدعوة الإسلامي، على مقاليد الحكم بعد عام 2003، لم تقم هذه القوى بخطوات جادة لتغيير المناهج الدراسية التي لا تزال تخلو من الإشارة إلى الجرائم التي ارتكبها نظام البعث بحق الشعب العراقي.

ملايين العراقيين الذين عانوا من القمع والتعذيب والإبادة الجماعية لم تُوثَّق مآسيهم للأجيال القادمة، ولم تُذكر في الكتب المدرسية كجزء من تاريخ العراق الحديث.

العلم العراقي، الذي كان يُرفع في عهد النظام السابق، بقي شبه دون تغيير، وهو رمز يعكس استمرار رمزية النظام السابق في الوجدان الوطني. النشيد الوطني كذلك لم يتم تغييره ليعبر عن عراق جديد متعدد الأعراق والطوائف، مكتفيًا بعبارات جوفاء لا تحمل هوية حقيقية لعراق ما بعد البعث.

ضعف الإرادة السياسية

السبب الرئيسي وراء هذا التقصير ليس قلة الإمكانيات أو غياب الدعم الشعبي، بل هو ضعف الإرادة السياسية والخوف من ردود أفعال المكونات السياسية الأخرى. الطبقة السياسية الحاكمة، وخصوصًا في التحالف الوطني، تخشى من فتح ملفات حساسة قد تُضعف موقفها أمام شركائها في السلطة. هذا الخوف جعلها عاجزة عن اتخاذ قرارات جذرية تعيد تشكيل الدولة وهويتها.

إلى جانب ذلك، غابت الرؤية الواضحة لمشروع وطني يهدف إلى التخلص من إرث البعث بشكل شامل. التحالفات الهشة بين الأحزاب جعلت كل قرار كبير مرهونًا بموافقة الجميع، ما أدى إلى حالة من الجمود والتردد، بل والسخرية في بعض الأحيان من محاولات التغيير.

رغد صدام: إرث رمزي يقلق الطبقة الحاكمة

ورغم مرور عقدين على سقوط نظام البعث، لا تزال رغد صدام تقلق مضاجع الطبقة الحاكمة في العراق مع كل تغريدة أو ظهور إعلامي. المفارقة هنا أن هذه المرأة، التي لا تجيد أبجديات العمل السياسي، ولا تملك قواعد جماهيرية حقيقية أو دعمًا دوليًا مؤثرًا، تواصل إثارة الجدل والاهتمام. هذا الواقع يعكس ضعف الطبقة السياسية في إدارة ملفات الماضي وترسيخ مشروع وطني يُنهي أي تأثير رمزي أو نفسي لشخصيات مرتبطة بالنظام البائد.

المفارقة مع حكومة الجولاني

في المقابل، نرى مثالًا مختلفًا في سوريا، حيث قامت هيئة تحرير الشام بتغيير المناهج الدراسية بعد ثلاثة أسابيع فقط من وصولها إلى السلطة. ورغم الجدل حول أيديولوجية الهيئة وأساليبها، إلا أن هذا الإجراء يُظهر فهمًا واضحًا لقيمة التعليم كأداة لتشكيل الهوية وترسيخ السلطة.

هذه المقارنة تُبرز عجز الحكومات العراقية المتعاقبة عن استثمار سلطتها في بناء عراق جديد. فبينما تسعى قوى مثل هيئة تحرير الشام إلى فرض رؤيتها بسرعة، ولذلك بقيت الحكومات العراقية أسيرة للخوف والتردد، مما أدى إلى إضاعة فرصة ذهبية لتغيير شامل.

اخيراً : إذا أراد العراق أن ينهض، فعليه أن يبدأ بإعادة النظر في هويته الوطنية، بدءًا من تغيير المناهج الدراسية، والعلم، والنشيد الوطني، والقوانين التي لا تزال تعكس إرثًا بائدًا. هذه الخطوات ليست مجرد رمزية، بل هي أساس لبناء دولة حديثة تُكرّس القيم الديمقراطية وتُخلّد تضحيات من عانوا تحت حكم البعث.