المرجعية الشيعية وخيارات ما بعد السيستاني والخامنئي/ تجديد بنى المرجعية الدينية
د. علي المؤمن
القسم الثاني عشر
العوامل الجديدة التي تدخل – بمرور الزمن – في بناء الحياة، والتغيرات العامة، ولا سيما الإجتماعية والسياسية والعلمية؛ تستتبع – عادة – تحولات في المفاهيم والمصطلحات والبنى التقيلدية المتحركة. وتتناسب مديات الحاجة إلى هكذا تغيير وتجديد، طردياً مع حجم التحوّل والتغيّر، مع الأخذ بنظر الاعتبار ثبات المفاهيم والبنى التي تعبّر عن هوية الأمة وأصالتها.
وربما بقي بعض المفاهيم والبنى بمنأى عن هذا التحول، بفرض عوامل معيّنة، ربما يكون أحدها حالة القدسية الموروثة التي تتمتع بها. ولكن التفاصيل التي استنبطت في زمن معيّن، وفي ظروف معيّنة، أو رعاية لمصلحة موضوعية؛ لا يعني أنها مقدسة، ولا يمكن مناقشة مضامينها ونظمها، وعدم إخضاعها للحوار العلمي الجاد. وإذا كانت مفاهيم “المرجعية الدينية” و”نيابة الإمام المعصوم” و”ولاية الفقيه” و”الإجتهاد” و”التقليد” و”الرجوع الى رواة الأحاديث” و”الإحتكام الى الفقيه” في المذهب الشيعي من ثوابت عصر الغيبة (غيبة الإمام الثاني عشر)، التي تقود إليها الأدلة الشرعية والعقلية؛ فإن بناها وتفاصيلها تظل دائماً من المتغيرات، التي يُعَدّ النظر في نظامها الموروث وحركتها التقليدية، ثم تعديلها وتطويرها ضرورة ملحّة، تمليها متطلبات الواقع والمستقبل.
والإحساس بهذه الضرورة حمل الكثير من الفقهاء المتأخرين والباحثبن المتخصصين، على إضافة مصطلحات جديدة لتوضيح مدلول المرجعية المعاصرة، ومحاولة إعادة تنظيم بنائها، ومنها “المرجعية الرشيدة” و”المرجعية الموضوعية” و”المرجعية القائدة” و”المرجعية المؤسسة”. وهذا يعني أن منظومة المرجعية، فيها كثير من المرونة.
والمقاربة التي نحن بصددها هو تصوّرات عامة في الطريق. أما الحوار العلمي التخصصي حول شكل المشروع وسبل تنفيذه؛ فهو شأن المعنيين من الفقهاء المجددين وأهل الخبرة. ويتطابق مستوى نضوج المشروع مع حجم وعي المتخصصين بمتطلبات العصر، والتي ينبغي أن لا تؤثر فيه الأجواء الإنفعالية، والميول النفسية المحكومة بظرف معيّن، أو مصلحة خاصة؛ ليكون القرار بهذا الشأن على مستوى المصلحة الإسلامية العليا.
إن من أهم القضايا التي تثار خلال الحديث عن بنى “المرجعية الدينية”:
1- مأسسة المنظومة المرجعية ومتغيرات حركتها الخاصة والعامة، وفقاً للحاجة، بما في ذلك آليات تحديد شروط الإجتهاد الجديد، وكيفية الكشف عن مصاديقه وشخوصه، وفرز مراجع التقليد، واختيار المرجع الأعلى.
2- سياقات علاقة المرجعية العليا بولاية الفقيه ومرجعيات التقليد والفقهاء في البلد نفسه والبلدان الأخرى، في إطار منظومة مرجعية واحدة.
3- تجديد هيكلية الحوزة العلمية ومناهجها الدراسية ومراحلها.
4- الحقوق الشرعية (كالزكاة والخمس وغيرهما) والولاية عليها وحق التصرف فيها.
وهي المحاور التي سنقاربها في الحلقات القادمة
(المقال القادم: التحولات المؤسّسية للنظام الديني الإجتماعي الشيعي)
ـــــــــــ



