بلال وجدته..!
أمين السكافي ـ لبنان ||

من أعاجيب زماننا والمنطقة ومحيطها أن يكون على المقاوم أن يقدم جردة حساب ،
ليس للخارج فقط والذي ينعته بالإرهاب لأنه وفي نظر الغرب وعلى رأسهم أميركا ،أنه كل من يدافع عن أرضه وعرضه وماله وكرامة وطنه فهو إرهابي،
وهذا لا يقتصر على الخارج ولكنه مدان داخليا من مواطنيه فقط لأنه يدافع عنهم ،وهذا بالنسبة لهم لهو جرم خطير يستحق المحاكمة عليه وإن لم يعاقب بالرمي بالرصاص، فبالحد الأدنى وككرم أخلاق منهم أن يودع بالسجن وينسى أحلامه وأن يتطهر من ذنبه العظيم كمقاوم .
قصة بلال هي قصة الكثيرين ممن تعرضوا وأهلهم للظلم والقتل، فبلال ومنذ وعى على الدنيا يتيما بعد إستشهاد غالبية أفراد أسرته في القصف الإسرائيلي لمنزلهن ،عام ٢٠٠٦ وكان يبلغ حينها ثلاث سنوات وقد تكفلت جدته لأمه بتنشأته ،
صحيح أنها كانت تبلغ من العمر الستين عند إستشهاد إبنتها وصهرها وأولادهم الثلاثة ،ما عدا بلال الذي بقي على قيد الحياة ولكن كان لها ذاكرة تتفوق بها على كل حواسيب العالم ،
وكيف بقيت في قرى المواجهة مع زوجها الذي توفي لاحقا ،وكيف كانت تجلس لساعات طوال على سجادة صلاتها، تدعي للمقاومين بالنصر والثبات و الغلبة وأهمها حماية الرحمن لهم .
وهي وقد زاقت الأمرين من أسوأ جار في الدنيا وقد شهدت غالبية إعتداءاته على لبنان، وقتله للمدنيين وتمزيقهم أشلاء حتى أن إخوتها قضوا نتيجة إحدى الغارات على منزلهم ،
ولأنها كانت قد تزوجت قبل ذلك فكان هذا سبب نجاتها ولكنها شهدت على جميع فظائعه منذ الستينات، حيث رأت بعينها وشهدت على تدمير البيوت والتنكيل بالناس وتقطيعهم لأشلاء ،
والعربدة قصفا أو غارات متى أرادوا وكأن الجنوب كان حقل تدريب لشذاذ الآفاق ،وأستمر الحال على ما هو عليه لغاية إجبار المقاومة العدو على توقيع تفاهم نيسان، الذي قضى بعدم التعرض للمدنيين من جهتي الحدود .
الحاجة سكينة إنتدبت نفسها خلال ٣٣ يوما في عدوان تموز عام ٢٠٠٦، فكانت بعد أن تنتهي من الصلاة والدعاء فجرا لتبدأ بتحضير العجين وإشعال النار في الموقد ،إسمها (الطابونة) جنوبا وتبدأ بتجهيز أرغفة الصاج التي كانت تضع عليهم ما تيسر من زعتر وكشك ،
وما تيسر بعد نفاذ الجبنة في أول يومين كانت تعجن العجينة بقلبها ،لا بيديها وتخبزهم بنور عينيها وتقدمهم لمن يمر بها من شباب المقاومة بروحها ،وبقيت طيلة أيام العدوان على هذه الحال حتى إذا إنتهت الحرب وبدأت الناس تتفقد بعضها بعضا ، علمت بما حل بإبنتها وعائلتها بكت الحاجة سكينة دما على فلذة كبدها، وبقية العائلة وأخذت على عاتقها تربية بلال الصغير .
أخذت اليتيم في حضنها و قامت بتربيته وكانت له كل شيء ،جدة وأم وأب ورفيقة ولم تحرمه شيئا ما أستطاعت إليه سبيلا،
فكانت نعم الأم والمربية وتعلق بها بلال تعلقه بكل أهله، وكانت في كل ليلة من ليالي السنة حتى يغفوا بلال يجب أن تقص عليه قصة قبل النوم، بالنسبة للحجة سكينة فهي لا تعرف من الحكايا إلا ما شهدته وعاشته ،من قصص الإجرام الإسرائيلي وسقوط الشهداء وكيف بدأ الشباب من قريتها والقرى المجاورة بالمقاومة ،
حتى أجبروا العدو على الإنسحاب من لبنان ووقف عربدته خوفا من رجال الله ، كانت تحكي وتحكي وتحكي وبلال يسمع متأثرا ويحلم باليوم الذي يكون فيه واحدا من هؤلاء الأبطال ، فالحجة سكينة كان لها أسلوب رائع في سرد القصص وكان بلال يسمع حتى بعد أن تغمض عيناه من النعاس .
أدخلته إحدى المدارس التابعة للمقاومة ومع أنها أمية فقد كانت تواظب على الجلوس معه عندما يجلس للدرس، وعندما كبر قليلا وأخبرها أنه يريد الإنتساب لكشافة المهدي لم تمانع بل شجعته ،وعندما بدأ بالإلتزام الديني والعقائدي فرحت الحجة سكنة،
لأنها كانت تعده لهذا الخط وحتى عندما طلب إذنها للإلتحاق في دورة تريبية، شجعته فقد أصبح عقائديا جاهز لما كانت تعده له في قابل الأيام، كان حلمها أن يكون بلال أحد هؤلاء الشباب المتدينين المهذبين الشجعان البواسل الذين يفدون الوطن والأهل بالدماء .
كان بلال شابا وسيم المحيا أطول قليلا من أقرانه شديد التهذيب متدينا بحق ،وبدأ منذ نعومة أظافره يعي حقيقة القضية الفلسطينية وكم التدمير الهائل الذي تعرض له الجنوب والمجازر المرتكبة ما بين لبنان وفلسطين، وعندما أخبرها بأنه يريد أن يلتحق ويلتزم بخط المقاومة إنتابتها عدة مشاعر من الفرح للخوف للسعادة للقلق ولكنها في النهاية حسمت أمرها وشجعته وقد كان لها أكبر الفضل في أنباته نباتا حسنا ،
وكم كانت سعادتها وهي تغسل وتكوي له بذته العسكرية ،وترافقه بدموعها وهي تدعو له حين يخرج ليلتحق بوحدته فقد كان بلال كتوما حتى على معلمته الأولى (جدته).
أستيقظ بلال على صوت زغاريد جدته وكانت الساعة لا تزال السابعه صباح يوم السبت السادس من تشرين ،وما لبثت الزغاريد أن ملأت الحي الذي يقطنوه توجه بلال ليرى ما الذي يحصل فرأى جدته أمام التلفاز وهي تشاهد الإنطلاقة المباركة لطوفان الأقصى ،
طبعا تفاجأ بلال مثله مثل كثيرين ولكنه أسرع بإرتداء ثيابه وقبل يد جدته فرحا بما يحصل وإلتحق بوحدته ،هناك حيث أتتهم الأوامر ببدأ إسناد غزة إبتداء من اليوم التالي وهذا ماحصل ،
بدأ مجئ بلال إلى البيت يقل في كل مرة كان يأتي تعبا مشتاقا إلى النوم، ولكن في عينيه بريق الفرح والنصر ودماء عائلته التي لم ينساها، وكانت تحضر له ما أستطاعت من ما يحب من المأكل وهي وقد (وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا) ،
كانت تكلمه دائما عن الزواج كي يستقر مع زوجته فهي وقد أصبحت في هذا السن لم تعد قوتها تكفي لخدمته وخدمة البيت . أستشهد القائد الحبيب الصادق المؤتمن لم تبكي الحجه سكنه أحدا في حياتها كما بكت أبا هادي،
عاتبت ملاك الموت أن تركها وأخذ معه السيد، ودخل العدوان على لبنان يومه الأول بعد سنة من الإسناد وبدأ التصدي البطولي لرجال الله ،في كافة محاور الحدود بين لبنان وفلسطين وأختفى بلال ومضت الأيام ثقيلة وهي تنتظره ولا تعرف عنه شيئا يوم يومين أسبوع أسبوعين ،
حتى وصلنا إلى الشهرين كانت غارات العدو قد دمرت كل شيء من شجر وحجر وبشر ولكن بلال ورفاقه ثبتوا مكانهم ولم يتزحزحوا رغم حدة القصف بعد وقف إطلاق النار عاد بلال إلى جدته التي أستقبلته بالزغاريد وأخذت تضمه وتقبله وتشم رائحة المجد والعز والنصر من بذته ،
وهذه المرة تكلم بلال وحكى لجدته كيف واجهوا الصهاينة وكيف ثبتوا وأين كمنوا ، وكيف كانوا يسمعون صراخ المخنثين من جيش العدو وكانت جدته تستمع له وعلى ثغرها إبتسامة ، لتغمض عينيها لآخر مرة في حياتها وهي سعيدة بما تسمع من حفيدها .




