زفاف وشهادة في دير البلح..!
واثق الجابري ||

قيل لي بارك للحاج خالد، عند زيارتي للجرحى الفلسطينين الموجودين في العراق، وظننت أنه زفَّ أحدًا من ذويه للشهادة، وكعادتهم يتبادلون التهاني عندما يرتقي شهيد، إلاّ أنه أخبرني بزواج أبنه وقلت له هل يوجد زواج في غـــزة؟ قال لي حياتنا لا تتوقف وعلينا الاستمرار والزواج والإنجاب، وكل واحد منا عليه أن ينجب قبل أن ينال الشهادة.
اتصل بي الحاج خالد بعد شهر، طالبًا مني الحضور لزيارته، وألحَّ لأن أبنه استشهد يوم أمس في الأرض المحتلة.
أعلن يوم أمس الصهــيوني أيدي كوهين، عن جائزة 5 ملايين دولار لمن يدلي بمعلومات عن الأسرى، مقدمًا إغراءات يظنها وسيلة إغراء للفلسطينين، مع وعود للسفر الى أمريكا أو أوروبا للعيش بقية الحياة، وهذا دليل على فشل الاحتلال في تسجيل انتصار أو استعادة أسراه بعد 14شهرًا، ولم يُفلح سوى بقتل النساء والأطفال، وهدم المستشفيات والبنى التحتية واعتقال الجرحى ومنع المساعدات الإنسانية، ولم يستطع نزع عقيدة أصحاب الأرض والقضية، بل مع كل قطرة دم تراق، تترسخ مـقاومة الاحتلال وفهم مخططاته.
وجد الجرحى الفلسطينيون في العراق، ترحيبًا غير مسبوق في داخل العراق، حكومةً وشعباً ومؤسساتٍ مدنيةً وقوًى سياسية ودينية، وعرض بعضهم على الجرحى البقاء في العراق، لكنهم رفضوا أن يتركوا أرضهم ويحققوا غاية الاحتلال، الذي يريد تهجيرهم من أرضهم، وقتل أكثر ما يمكن قتله، كي يصلوا الى قناعة بأن هذه الأرض لا يصلح فيها العيش، لكنهم رغم كل ما قدموا، يرفضون ترك الأرض، رغم أنني لم أسأل أحدًا إلاّ ووجدته قد قدم من 10 شهداء وأكثر.
إن أصرار الفلسطينيين على التمسك بأرضهم، وإفشال مشاريع الاحتلال والتهجير، هو ما جعلهم يصمدون كل هذا الصمود الأسطوري، ومشاهد القتل والمجازر أصبحت واقعًا يوميًا في حياتهم، لذلك تراهم يمارسون الحياة وكأنها هذه الحياة الطبيعية، ويتزوجون ويُنجبون ويتحدثون لأجيالهم عن حجم الجرائم والإبادة الجماعية، وعليهم الاستمرار، وهم أصحاب الأرض والقضية والقرار، وقرارهم لا تنازل عن الأرض مهما تعرضوا لاضطهاد.
تألمت كثيرًا عند سماعي استشهاد ابن الحاج خالد في دير البلح، وظننت أن الذي أستشهد هو ذاك الشاب الذي تزوج قبل شهر، ورغم حزنه الشديد، أخبرني أن الذي أستشهد أبنه الكبير الذي كان يرعى إخوانه وعائلته هناك، ورغم حزنه كان يحدوه الأمل بالآخر المتزوج حديثًا بأن يُنجب أبناءً لهذه الأرض، وأصبحتُ على قناعة، بأن هذا الشعب حيٌّ بدماء الشهداء، ولا يمكن لقوة في الأرض أن تجعله يتنازل عن أرضه وقضيته، وفي هذه الأرض كل شيء موجود، قضية وعدوان وجهاد وظلم، وزفاف وشهادة، وصرت على يقين بأن هذه الدماء لابد أن تنتصر.




