الأربعاء - 17 يونيو 2026
منذ سنتين
الأربعاء - 17 يونيو 2026

كوثر العزاوي ||

في كتب التفسير، وردت آيات عديدة تحذر المسلمين من أن يعتريهم اليأس والفتور بسبب النكسة في معركة واحدة أو في حال موت قاداتهم وييأسوا من النصر النهائي، كما مطلوب الآية الكريمة في قوله “عزوجل” {وَلا تَهِنُوا وَلاتَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ‌} ‏فلا يحسن بهم أن يشعروا بالوهن أو يتملكهم الحزن لما حدث ويحدث، فالرجال الواعون الثابتون الواثقون من سلامة دينهم ومبادئهم هم الذين يستوحون الدروس من الهزائم والأخطاء،

كما يستفيدون من الانتصارات، وهم الذين يتعرفون عِبر النكسات علی نقاط الضعف في أنفسهم أو مخططاتهم ويقفون علی مصدر الخلل والهزيمة، ثم يسعون لتحقيق النصر النهائي بالقضاء علی تلك الثغرات والنواقص، أمّا الوهن الذي قصدته الآية، هو كلّ ضعف يصيب الجسم أو الروح أو يُضعف الإرادة والإيمان عند الملمات سيما في ساحة الصراع بين جبهتي الحق والباطل،

لذا فعلى جبهة الحق برجالها أن ينهضوا بعد كل انتكاسة، ويلملموا جراحاتهم ويمضوا بيقين، وطمأنينة المجاهدين في سبيل الله، الموطّنين انفسهم على لقاء الله من منطلق الهدف السامي الذي تربّى عليه الأنبياء والأوصياء وربّوا عليه أتباعهم وشيعتهم الى يومنا هذا،

والهدف والغاية هو ماأشارت إليه الآية المتمثّلة في قول الله “عزوجل”{قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَن يُصِيبَكُمُ اللهُ بِعَذَابٍ مِّنْ عِندِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا فَتَرَبَّصُوا إِنَّا مَعَكُم مُّتَرَبِّصُونَ} التوبة ٥٢- والحسنَيَين هما: النصر أو الشهادة وكلاهما مغنم يسعى له المؤمن بعد وضوح الرؤية وتحديد الهدف مايجعله في ثبات مستمر وصمود ورضا،

ولعل مصداق مابيّنا هو مالَمسَهُ العالم اليوم من ذلك التغيّر العجيب في معنويات رجال حزب الله بعد استشهاد قائدهم العظيم وسيد مقاومة محور التمهيد! وكيف عضّوا على جراحهم، وحملوا الأرواح على الأكف برباطة جأش وشدة بأس،

وماهذا التحوّل السريع والعظيم في مثل هذه المدّة القصيرة إلّا لحقيقةِ تأثيرِ التربية القرآنية وعمقها في نفوس المؤمنين المجاهدين، ومدی فاعلية البيان الإلهي الأخّاذ الذي ترك أثره في نفوسهم، فضلًا عن عوام الناس ممن يدورُ في فلك حزب الله وأمينه الصادق، وإنّ ماحدث خلال اليومين الماضيين يكاد يكون معجزة، حيث ألمُ الفقد لقائد كبير كالسيد حسن نصر الله ورحيله الذي جاء في وقت استثنائي عصيب جدا،

وما انطوت عليه جوانح أنصاره ومحبّيه من وطأة ضاغطة، فكانوا مصداقًا آخرًا لما جاء في قوله “عزوجل”{وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ} آل عمران١٤٦- نعم لم يتضعضعوا،

بل مضوا منشغلين بالتصدّي لمخطط الاجتياج البريّ لجنوب لبنان الصامد الذي سبق الإعلان عنه بعد أن دمرّ العدو الغاصب ضاحيتهم بالكامل، ورغم زعيق أبواق العدوّ الإعلامية ومَن يساعدهم من البسطاء والعملاء والجبناء من الناس إذ يقذفون في قلوب المقاتلين والمجاهدين الرعب ويوهمون العالم بقوّة العدوّ وإمکاناته الخائرة في واقعها،

أنّه ليس بمقدور المجاهدين مقارعتهم، بيد أنّ المجاهدين الحقيقيين لم ترهبهم هذه الأراجيف ولم تزعزعهم، بل أثبتوا بأسهم بمرابطتهم على الثغور، فقضوا ليلهم ونهارهم، يذودون ويصدّون ويقاتلون بقلوب مطمئنة واثقة بمدد الله ونصره، وحناجر تهتف باسم الله وسيد شهداء المقاومة الذي وإن رحل جسدًا، فلن يغيب نهجًا وفكرًا وأثرًا عن ساحة الصراع،

ومن هذا البُعد المعنويّ يواصل حماة الدين جهادهم باستقامة وصمود، وماذاك إلّا أثر الإيمان بالهدف واستشعار الغاية، فكلّما ازدادت مصائب الإنسان المؤمن واشتدت نوائبه، ازدادت استقامته و تضاعف ثباته و شحذت عزيمته، وبمعنى أدق، تهيأت كل قواه المعنوية والمادية وتعبّأت لمواجهة الأخطار، وهذه هي ثمار تربية النهج الأصيل وأثر القائد في النفوس.

٢٨-ربيع الاول-١٤٤٦هجري
٢-تشرين الأول-٢٠٢٤ميلادي