الأربعاء - 17 يونيو 2026

دور النساء المحوري في حياة النبي “ص”

منذ سنتين
الأربعاء - 17 يونيو 2026

إنتصار الماهود ||

ولد الهدى فالكائنات ضياء
وفم الزمان تبسم وثناء
الروح والملأ الملائك حوله
للدين والدنيا به بُشْراء

متباركين ومستبشرين بذكرى مولد خير الأنام، سيد الكونين وخاتم النبيين محمد عليه وعلى آله أفضل الصلاة والتسليم، ونحن نعيش في هذه الأيام المباركة، مهما تكلمنا عما قدمه منقذ البشرية لن نستطيع حصر جميع جوانب حياته، لكن سنسلط اليوم الضوء على جانب مهم بسبب تأثير هذا الجانب على تربيته وسلوكه ونبوته وتأديته لرسالته.
سنتكلم عن الجانب المحوري الذي لعبته النساء في حياة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وسنختار خمس شخصيات نحاول أن نوجز عنهن وعن أثرهن العظيم في حياة خير المرسلين، وهو الذي قال عنهن ما أكرم النساء الإ كريم وما أهانهن الإ لئيم، وهو من قال بأن الجنة تحت أقدام الأمهات، وهو هنا يجسد القدوة الصالحة في الإسلام والنموذج الامثل لإتباعه.
أول السيدات التي أثرت في حياة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، هي أمه آمنة بنت وهب وهي سليلة سادة قريش ومن أفضل بيوتاتها، تزوجت من عبدالله والد نبينا محمد وعاشت مع ولدها بعد وفاة أبيه، وكرست حياتها له ولتربيته حتى وافاها الاجل، لتتحول تربيته الى جده عبد المطلب وعمه أبوه طالب.

وشاركت السيدة آمنة عليها السلام في تربيته مرضعته السيدة حليمة السعدية، تلك المرأة البدوية التي لطالما حفظنا إسمها وتردد بيننا لعظيم منزلتها، فقد كانت من عادات العرب قديما أن يدفعوا (أي يرسلوا )، صغارهم الى البادية كي ينشأوا أقوياء البنية لهم من فصاحة اللسان والقول والقوة،

وكانت السيدة حليمة السعدية مرضعة نبينا الأكرم، و إختلف المؤرخون في فترة مكوثه لديها، فمنهم من قال إثنان فقط فترة الرضاعة وبعضهم من قال أربعة أو ستة سنوات، والسبب لأنها أصبحت تحب نبينا حبا جما وهي رأت مقدار البركة والخير الذي عم في منزلها، وقبيلتها وتغير الحال الى الأفضل، ولمست فيه منذ صغره أن يكون ذا شأن عظيم، وكانت على قدر حبها له تصفه بأنه كالمصباح للمنزل في الليالي المظلمة وكان هو صلى الله عليه وآله وسلم، يحبها حبا عظيما ويقدرها أيما تقدير، وحين أقبلت عليه لتعلن إسلامها فرح وطفق يقول أمي أمي ثم خلع لها رداءه وبسطه تحتها واكرم وفادتها.

أما السيدة الثالثة التي لعبت دورا مهما في حياة رسولنا، زوجة عمه أبو طالب مولاتي فاطمة بنت أسد تلك السيدة التي أكرمها الله بمنزلة عظيمة، بأن يشق لها جدار الكعبة كي تضع وليدها الطاهر المطهر الإمام علي عليه السلام، فتخيل ما الذي ستقدمه مثل هذه الإمرأة الى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.

بعد وفاة جده عبد المطلب وقدومه الى بيت عمه أبو طالب ليأويه ويحتضنه، أحست السيدة فاطمة بنت أسد بأن هذا اليتيم له شأن عظيم يخوله أن يحتل تلك الصدارة في الحياة وفي قلبها، فهي كانت تراه الحصن الآمن والرجل الذي يعتمد عليه، حتى إنعكست محبتها له وهي تراه يحتضن صغيرها ويعلمه ويؤدبه لتتولد بينهم علاقة أعظم و أقوى من علاقة الولد بإبن عمه، حين رأت إبنها يكبر ويشتد عوده تحت عناية أخيه الأكبر، وإبن عمه محمد صلى الله عليه وآله وسلم،

وكانت السيدة فاطمة بنت أسد تركن إليه كأحد أولادها وهو كان يلجأ لها في كل شيء كأنها أمه، وحين توفيت وحزن عليها الإمام علي عليه السلام وقال له بإن أمه توفيت، أخبره بأنها أمه هو أيضا ولشديد حبه لها أعطاهم ثوبه ليلف به جسدها الطاهر ليكون لها سترا ومعاذا في قبرها، وهو من بقى حين إنصرف الجميع عن قبرها ليدعوا لها بالرحمة والمغفرة.

أما رابع السيدات العظيمات فهي زوجته وحبيبته وصديقته وشريكة حياته وسنده، خديجة بنت خويلد عليها السلام، كانت أكثر نساء عصرها جمالا وأدبا وحشمة ومكانة وكرامة، قوية الشخصية ثابتة الفكر، صائبة الرأي، سليلة الحسب والنسب والمال،

تعرف عليها نبينا الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم حين كانت تبحث عن رجل أمين يدير لها تجارتها وكان خير من يؤتمن، فقد عرفت هي أن لهذا الرجل شأن سماوي ومكانة وهو مهيأ لها بسبب القصص التي أخبروها عليه حين ذهب بطريق التجارة، حيث رأوا منه الإعجاز في سلوكه وخلقه وأسلوبه وتسخير الناس له ومحبتهم إليه،

إضافة الى الرزق الوفير الذي جلبه لها، تشجعت لتطلب منه الزواج، فلا يوجد أفضل منه أدبا وخلقا وأمانة لترتبط به رغم فرق العمر، وهذا ما يؤكد أن للزواج و الإرتباط عدة أركان أسمى من العواطف الشهوانية و الأهواء المادية، فالزواج مؤسسة عظيمة تقوم على إتحاد الأرواح وشراكة مقدسة تترفع عن الماديات، لقد بقيت السيدة خديجة بجانب زوجها بعد إعلان نبوته، وساهمت بالقول والفعل والمال بدعم الإسلام حتى وفاتها، لقد حزن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم حزنا شديدا فهي توفيت بنفس العام الذي مات فيه عمه أبو طالب والذي سمي عام الاحزان.

أما خامس السيدات اللواتي أثرن في حياة نبينا وحبيبنا محمد فهي إبنته وبضعته وحبيبته فاطمة الزهراء عليها السلام، سيدة نساء العالمين في الأولين والآخرين، ولدت مولاتي في العشرين من جمادي الآخر بعد البعثة بخمسة سنوات، وكانت عظيمة الشأن لدى والدها، كلما دخلت عليه قبّل رأسها ويدها ويخاطب من حوله، ( فاطمة بضعة مني فمن أغضبها أغضبني ومن سرّها فقد سرّني )، وسميت فاطمة لأن الله جل وعلا فطم من أحبها من النار.

لقد كانت الزهراء عليها السلام ترعى أباها منذ كان عمرها 6 سنوات، بعد وفاة أمها من أجل مليء الفراغ الذي تركته مولاتي خديجة عليها السلام بعد وفاتها، وسميت أم أبيها لأنها كانت عطوفة حنونة على أبيها فقد كانت تضمد جراحه وتتحدث معه، بما يسلي خاطره حين كان يتعرض للمضايقة من سفهاء قريش.

زوّجها من إبن عمه وأخيه ووصيه علي بن أبي طالب عليه السلام وقال: (إني سألت ربي أن يزوجك خير حلقه وأحبه إليهم)، رغم إستشهادها المبكر إلا أنها كانت مثالا للمرأة المسلمة المحتشمة العالمة، والتي أدت رسالة مهمة في التربية وإتباع أوامر الله ومساندة أبيها وزوجها.

من هنا نرى في هذه السطور الدور العظيم الذي اعطاه الله تعالى للمرأة، في الحياة وبناء الأسرة والمجتمع وكيف أدت هذا الدور ببراعة و إخلاص، وهو عكس ما يروج له الغرب الذي يحاول أن يشوه صورة الإسلام والمجتمعات العربية، وبيان أن المرأة المسلمة تعاني من الحيف والإضطهاد والجور، رغم أن هذه الصفات يعاني منها الغرب الذي يستخدم المرأة كسعلة، تباع وتشترى جعلوها مجرد متعة جسدية وآلة للعمل والشقاء، بحجة التحرر والديمقراطية والتقدم والإنسانية، ومن هنا أوجه رسالة لمن غررت به الثقافة الغربية إن أفضل المناهج وأقومها لتنال سعادة الدنيا والآخرة هو إتباع الدين الحنيف، و نهج آل البيت عليهم السلام وأن لا تركن لهوى النفس وإتباع الشيطان.

متباركين حبوبة بمولد شفيعي وشفيعكم