ليلة بُدِّد شملُنا..!
إيمان عبد الرحمن الدشتي ||
استشعرنا في تلك الليلة ليلة من طف كربلاء، ليلة عاشوراء التي ما غابت عن فكرنا يوما، حيث كان هدوؤها يختلج عن ضجيج! يلفها سكون تحته عاصفة! لا؛ ليست عاصفة بل بركان من الوجع والمشاعر وصراخ وصل مسامع قبر محمد (صلى الله عليه وآله)! واهتز له عرش الجبار! فبعد سويعات سينفجر في سامراء بركان مماثل!
كان أبي في تلك الليلة في ريعان شبابه، لكنه مُشرف على مغادرة الدنيا، فقد قطّعت أحشاءَه سمومُ بغض أعدائنا، ولم يتجاوز عمري حينها الخمس سنين! أما أمي فقلبها كان يخفق بشدة، فهي لم ترتوِ من بحر عاطفة والدي الذي طلَّقتْ لأجله الدنيا، كي تظفر بأن تكون كنَّة جدتي الزهراء (عليها السلام)! ولم تملأ حضنها بدفء وحيدها الصغير!
بتنا نحن الثلاثة في تلك الليلة مسهَّدين، وكل منا مشغول بمصير الآخرَين، وسأحكي لكم عن أحوالي: والدي كان خيمتي التي تحجبني عن أعين الظالمين، تلك الأعين الآثمة الجريئة التي تترصد مشيئة الله، محاولة ليّها كي لا تتم عدّة أقمار العصمة الهادية، فكيف بحال من يرى خيمته تُمزق، فيُترك بعدها بلا مأوى شريدا طريدا؟!
كنت أنظر تارة لأبي العزيز الذي يعتصر ألما، وقد تقطّعت أحشاؤه وعيونه شاخصة عليّ، وهو يستعد ليسلمني مقاليد الإمامة ليخلُد تحت أطباق الثرى، ودموعي كنهرين تخاطبه: لا ترحل أيها الوالد الزكي فاليُتم أليم! وأخرى أنظر لأمي الحنون التي ستُذبح سعادتها بعد سويعات! وستُترك أرملة ثكلى بين تلاميذ إبليس الذين تفوقوا على أستاذهم! ولن تهنأ بعيشها أبداً حتى تُفارق الدنيا!
أما أنا فستتفجّع لحالي السماوات والأرضون! سأتخطى بعد سويعات صفوف من سيقفون ليصلوا على جنازة أبي، فأُنحّي عمي جعفر لأخبره عن هويتي، حين أقول له بأني أولى منك بالصلاة على والدي! وما أن أُكمل الصلاة وأدفن أبي، فسأعود لمواساة والدتي لأحتضنها بلهفة وحنين ولسان حالي يقول: استودعك الله يا أماه والملتقى عند حوض الكوثر!
حيث سيجتمع حزب الشيطان على داري، فيهيج شعوري لدار جدي أمير المؤمنين (عليه السلام) بعد ارتحال جدنا رسول الله (صلى الله عليه وآله) آهٍ آهٍ يا سقيفة الشر ماذا أورثتِ؟! فما هي إلا برهة حتى أحتجب عن أنظار الخلائق، إلا من شاء الله منهم فيكونوا سفراء بيني وبين شيعتي، لتقع بعد ذلك الغيبة الكبرى، وسيعظم الحال عليّ يوماً بعد آخر وعلى شيعتي، وستُملأ الأرض جوراً وظلماً وفساداً، حتى تكاد نفسي أن تُزهق في كل لحظة لعِظمِ ما أرى!
كل ذلك قد حصل وما زال ستار الغيبة مُسدل! وإن سألتموني أيها الموالون عن أحوالي، فإني أُنبئكم لو أنكم اجتمعتم جميعا، على تحمّل قساوة يوم واحد من أيام غيبتي لما استطعتم! واعلموا أنني على استعداد تام في كل حين، لكشف ستار الغيبة وملاقاتكم، فلم يبقَ لي في هذه الدنيا إلا إياكم! ولو أنّكم يا أشياعي وفَّقكم الله لطاعته على اجتماعٍ من القلوب، في الوفاء بالعهد عليكم، لما تأخّر عنكم اليُمنُ بلقائِنا، ولتعَجّلَت لكم السعادة بمشاهدتنا، فقلبي كالجمر لفقد أبي، فأروني بمَ ستواسوني؟ وبمَ تعاهدوني ووالدي؟ وما أنتم لتعجيل ظهوري فاعلون؟!
ليلة الثامن من ربيع الأول ١٤٤٦




