الأحد - 14 يونيو 2026

اثر النشاة الصالحة في بناء الفرد..ام البنين انموذجا..!

منذ سنتين
الأحد - 14 يونيو 2026

الشيخ محمد رضا الساعدي ||

مقدّمة
لا يخفى ما للتربية والنشأة الصالحة من أثرٍ كبيرٍ في بناء الفرد، وهذا الأمر من الأُمور الوجدانية التي لا تحتاج إلى مزيد بيان أو إقامة برهان، فكلٌّ منّا قد شاهدها، بل وعاشها في بيته وأُسرته وأبنائه وإخوته، كما أنّ العكس صحيح، فيما لو كانت التربية والنشأة في بيئةٍ فاسدةٍ، وبيتٍ كبيتِ العنكبوت؛ فإنّ ذلك يُنتج وبالاً في حياة الفرد ومستقبله من جميع النواحي.
وتكمن أهمّية التربية والنشأة في أنّ الأثر الناشئ منها ـ سواء كان سلبياً أو إيجابياً ـ لا يقتصر على الفرد وحياته، بل يشمل الحياة الاجتماعية بكافة مفاصلها، سواء كانت دينية أو دنيوية، وسواء كانت تربوية، أو ثقافية، أو اقتصادية، أو أمنية، أو غيرها.
فينصبّ تأثيرها على علاقة الإنسان بربّه ونفسه ومجتمعه، بل على الكون كلّه، فإمّا أن تكون علاقة إيجابية قائمة على أُسسٍ ونظمٍ قويمة، ملؤها التقوى والإيمان، وإمّا أن تكون علاقة سلبية قائمة على أُسسٍ منحرفة، ملؤها الضياع والكفران، وبتعبير القرآن الكريم: {إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً}( ).
وهذه المفردة قد وقعت محلاً للبحث والتتبّع والاختلاف عند علماء الدين والاجتماع؛ لما لها من أثرٍ واضحٍ وكبيرٍ في سعادة الدارين أو تعاستهما؛ لذا نرى التركيز الكبير والواضح على هذه المفردة، ودور الآباء في تقويمها والقيام بها، من قبل النصوص القرآنية والروائية، والممارسات العملية التي كان عليها أهل التشريع.
ولا أدّعي هنا أنّ تلك التنشئة والتربية هي علّة تامّة للصلاح، وإنمّا هي جزء علّةٍ، بل هي المقتضي الأكبر له، ويبقى وجود المانع قائماً، ولو من باب القاعدة القرآنية: {يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ}( )، التي فُسّرت في الروايات( )، بخروج المؤمن من صلب الكافر، وربّما العكس، فعبّرت عن الكافر بالميّت، وعن المؤمن بالحيّ.
وهناك عدّة عوامل تجتمع لإنجاح هذه التربية والتنشئة، ولعلّ أهم تلك العوامل هي المدرسة الأُولى للبناء، وهي الأُمّهات والآباء، ودور الأُمِّ في تلك التربية أكبر وألصق في سنيّ الحياة الأُولى، فالطفل يتربّى وينشأ في أحضانها، ويتغذّى من حنانها، ويرتشف من عذب صفاتها وأخلاقها، وينمو متأثّراً بشخصيتها والتزامها ومواهبها.
وفي هذا البحث سندرس تلك المفردة من خلال تجربة عملية لامرأة وابنها أصبحا مضرباً للمثل في الأرض والسماء، وموطن الاقتداء والمدح لدى الصلحاء والشرفاء، ومعلماً للإباء والوفاء، إنّها السيّدة الفاضلة (أُمّ البنين) وابنها السيّد المقدام (أبو الفضل العباس).
وسندرس في هذا المقال المباحث التالية:
المبحث الأوّل:
نُبذة من سيرة أُمّ البنين ونشأتها
اسمها
هي السيّدة الجليلة أُمّ البنين فاطمة بنت حزام الكلابية، وأبوها من الشخصيات المرموقة المعروفة بالشجاعة والجود والسخاء. لم يذكر لنا التاريخ في أيّ عامٍ وُلدت، ولكن يُرجَّح أنّ ولادتها كانت بين عامي (5 ـ 9هـ).
واختلف أهل التاريخ والتراجم في أنّ اسمها: أُمّ البنين، أو فاطمة، أو غير ذلك، فبعض المؤرّخين يذكرونها بفاطمة، وبعضهم يقولون: أُمّ البنين، وذكر بعضهم غير ذلك.
فممَّن قال إنّ اسمها أُمَّ البنين: الشيخُ الطوسي في رجاله، حيث قال في ترجمة العباس ×: «أُمّه أُمّ البنين‏ بنت حزام بن خالد بن ربيعة بن الوحيد، من بني‏ عامر»( )، وكذا في الاختصاص والمقنعة والإرشاد، وغيرها من المصادر، ومنهم الطبري في تاريخه، حيث قال: «أُمّ البنين بنت حزام، وهو أبو المجل بن خالد بن ربيعة بن الوحيد بن كعب بن عامر بن كلاب» ‏( ).
وممَّن قال إنّها فاطمة: ابن عمدة في عمدة الطالب، حيث يقول: «أُمّ البنين، فاطمة بنت حزام بن خالد بن ربيعة…»( ).
ورجّح التستري القول الأوّل، وردّ القول الثاني، فقال في قاموس الرجال: «ثمّ تسمية المصنّف لها بفاطمة لم أدرِ إلى أيّ شيءٍ استند، فلم يذكر الزبيري والطبري والأصبهاني والعمدة والمفيد لها اسماً، بل ظاهرهم أنّ أُمّ البنين اسمها»( ).
وقيل: إنّ اسمها (جعدة)، کما في الهداية الكبرى: «وكان له عبد الله والعباس وجعفر وعثمان من أُمّ البنين، وهي جعدة ابنة خالد بن زيد الكلابية»( ).
وأُرجّح الجمع بين القولين، بأن يكون اسمها فاطمة أو جعدة، وكنيتها أُمّ البنين على كنية جدّتها، ويؤيّد ذلك أنّه لم يُعرف کثيراً عند العرب (أُمّ البنين) كاسم، وإنّما عُرف ككنية.
ويُستدلّ على ذلك بأمرين:
الأوّل: إنّ الذي كنّاها بأُمِّ البنين هو أبوها حزام؛ تيمُّناً بجدّتها ليلى بنت عمرو بن عامر بن ربيعة بن عامر بن صعصعة، حيث كان لها خمسة أبناء، أكبرهم أبو براء ملاعب الأسنّة( ).
الثاني: كان ذلك بطلبها من زوجها الإمام علي × ـ کما قِيل ـ أن لا يناديها بفاطمة؛ حتّى لا يشعر أبناء فاطمة الزهراء ÷ بالحزن عند سماع اسم أُمّهم في كلّ مرّة، فطلبت منه × مناداتها بأُمّ البنين؛ تفاؤلاً بالبنين بعد ولادتها( ).
الزوجة الرابعة
اختلف المؤرّخون في كون السيّدة أُمّ البنين الزوجة الثانية لأمير المؤمنين ×، أو الثالثة، أو الرابعة، وتسبقها أُمامة بنت العاص، وخولة بنت جعفر بن قيس الحنفية؟ ولعلّ الصحيح أنّها الرابعة.
أمّا استبعاد كونها الثانية فلأُمور:
الأوّل: إنّ الإمام علي × تزوّجها بعد السنة الرابعة والعشرين للهجرة الشريفة، كما ذكر أهل السير والتراجم( ).
الثاني: استبعاد بقاء أمير المؤمنين × بلا زوجة من السنة الحادية عشرة للهجرة إلى السنة الرابعة والعشرين هجرية.
ثالثاً: إنّ الزهراء ÷ قبل وفاتها أوصته بأن يتزوّج أُمامة وقد فعل كما نصّت الروايات( ).
رابعاً: إنّ عمرها كان صغيراً عند استشهاد الزهراء ÷، إمّا أن يكون سنتين؛ بناءً على أنّ ولادتها سنة تسعة هجرية، أو ستّ سنين؛ بناءً على أنّ ولادتها في السنة الخامسة هجرية، فالمعقول أنّه × تزوّجها في السنة الرابعة والعشرين هجرية، كما نصّ أهل التاريخ على ذلك، وعمرها حينذاك تسع عشرة أو خمس عشرة سنة( ).
وأمّا استبعاد كونها الثالثة، فلأنّ محمد بن الحنفية بن أمير المؤمنين × ـ وأُمّه خولة الحنفية ـ هو أكبر عمراً من العباس ×؛ لأنّه وُلد في السنة الحادية والعشرين هجرية، كما نصّ أهل التاريخ( )، فعمره وولادته سبقت زواج أمير المؤمنين × بأُمّ البنين؛ لأنّه تزوّجها في السنة الرابعة والعشرين هجرية، ويتمّ هذا الوجه بقرينة الاستبعاد في الثانية أيضاً، كصغر عمرها مثلاً، فالأرجح أنّها الزوجة الرابعة.
أُمّها
«أُمّها ليلى بنت السهيل بن مالك، وهو ابن أبي برة عامر ملاعب الأسنّة»( )، وهي أُسرة معروفة بالعراقة والأصالة. وقيل: هي ثمامة بنت سهيل بن عامر، وكانت ثمامة هذه أديبة أريبة، وعاقلة لبيبة، فأدّبت ابنتها أُمّ البنين بآداب العرب، وعلّمتها ما ينبغي للبنت الرشيدة تعلّمه، من الأخلاق والآداب الحميدة( ).
وفاتها
كانت وفاتها في الثالث عشر من جمادى الآخرة في السنة الرابعة والستين هجرية كما ذكر البيرجندي( )، وقد نقل الخبر عن الأعمش، والسيّد محمد باقر القره باغي في كتابه (كنز المطالب) وغيرهما، حيث جاء في (الاختيارات) عن الأعمش أنه قال: «دخلتُ على الإمام زين العابدين في الثالث عشر من جمادى الآخرة، وكان يوم جمعة، فدخل الفضل بن العبّاس وهو باكٍ حزين، يقول له: لقد ماتت جَدّتي أُمّ البنين»( ).
اختيار أمير المؤمنين × لأُمّ البنين
هناك مجموعة مقوّمات لاختيار المرأة، نشير إليها إجمالاً قبل بيان اختيار الأمير × لها( )، وأثر اختيار المرأة التي نشأت في أجواء صالحة، في إنشاء الجيل الصالح والذرية الطيّبة.
اختيار الزوجة الصالحة
لاختيار الزوجة الصالحة أهمّية كبيرة في حياة الأبناء قبل وبعد الولادة، وذلك من خلال ما ثبت من انتقال الصفات الروحية والجسمية من الآباء والأُمّهات إلى الأبناء، فالزوجة هي أُمّ الأولاد، ومدرستهم الأُولى؛ لذا نجد أنّ الروايات قد أكّدت أشدّ التأكيد على أهمّية اختيار الزوجة، فقالت الرواية: «اختاروا لنطفكم»( )، وقد جاء التأكيد بأساليب متنوّعة، فتارةً نجد الروايات تشدّد على نسب الزوجة، وتارةً تشدّد على بيئة الزوجة، وتارةً على دين الزوجة، وتارةً على سلامة الزوجة من العيوب النفسية والبدنية( ).
وهذه الأصناف من الروايات بيّنت لنا شيئاً مهمّاً، وهو أنّ عملية الانتقاء في الزواج لها دور كبير في صلاح الحياة الزوجية من جهة، وصلاح الأولاد من جهة أُخرى، فكلّما توفّرت هذه المواصفات في الأُم انعكست إيجاباً على الأبناء، وهذا ما جعل أمير المؤمنين × يختار أُمّاً صالحة لأبنائه، اسمها أُمّ البنين.
هذه الصفات التي كانت لها ولأهلها أهّلتها لأن يختارها أمير المؤمنين × من بين كلّ النساء في زمانه؛ وذلك لعظيم النشأة الصالحة التي نشأتها، ولا شكّ أنّه باختياره لها لم يختَرها كزوجة فحسب، بل كأُمٍّ لأعظم خلق الله في زمانهم، كأُمٍّ لأيتام السيّدة المعصومة فاطمة الزهراء ÷، فهي ذات دين وحسب ونسب، وبيئة جغرافية سليمة، وكمال روحيّ وماديّ انعكس على كلّ أبنائها، فأنشأتهم نعم النشأة.
استشارة أمير المؤمنين × أخاه عقيلاً في زواجه بأُمّ البنين
قد نقل المؤرّخون أنّ أمير المؤمنين × استشار عقيلاً في اختيار زوجة له، ففي عمدة الطالب: «روي أنّ أمير المؤمنين × قال لأخيه عقيل ـ وكان نسّابة عالماً بأنساب العرب وأخبارهم ـ اُنظر إلى امرأة قد ولدتها الفحولة من العرب لأتزوّجها، فتلد لي غلاماً فارساً. فقال له: تزوّج أُم البنين الكلابية، فإنّه ليس في العرب أشجع من آبائها. فتزوّجها»( ).
المبحث الثاني:
التربية والنشأة وتأثيرهما في بناء الفرد
أمّا ما يرتبط بالتربية والنشأة فقد لخّصنا أهمّ المطالب ضمن النقاط الآتية:
النقطة الأُولى: التربية والنشأة في اللغة والاصطلاح
التربية لغةً: مشتقّة من (ربا) بمعنى (زاد ونما)، وتأتي بمعنى التغذية( )، وهكذا تشتقّ التربية من الربّ الذي يطلق على المالك والسيّد والمدبّر والمربّي( )… ويكون المعنى: القيام بأمر الطفل على وجهٍ أحسن.
والحاصل: أنّ المستفاد من كلمات اللغويّين في مفهوم التربية، هو: حسن القيام بشؤون الأطفال، بحيث تنمو أجسامهم وعلومهم وعقولهم، والقيام بتدبير أُمورهم على نحوٍ يزيد في كلّ ما كان صلاحاً لهم من أُمور الدنيا والآخرة.
قال المحقّق المصطفوي في التحقيق: «إنّ الأصل الواحد في هذه المادّة سوق شي‌ء إلى جهة الكمال، ورفع النقائص بالتخلية والتحلية، سواء كان من جهة الذاتيّات، أو العوارض، أو الاعتقادات والمعارف، أو الصفات والأخلاقيّات، أو الأعمال والآداب، أو العلوم المتداولة في إنسان أو حيوان أو نبات، ففي كلّ شي‌ءٍ بحسبه، وبحسب ما يقتضي ترفيع منزلته، وتكميل شأنه»( ).
أمّا التنشئة: فهي حُسن التربية، وفي الحديث: «عن معاوية بن وهب قال: قلت لأبي جعفر ×: ما علامة الإمام الذي بعد الإمام؟ فقال: طهارة الولادة، وحسن المنشأ…»( )، و«كأنّه من النش‌ء كقفل، اسم من نشأت في بني كذا: أي ربيت فيهم، والمراد حسن التربية، وتنزيهه عن المعاصي»( )، «والناشئ: الشابّ الّذي نشأ وارتفع وعلا»( ).
قال المصطفوي: «إنّ الأصل الواحد في المادّة هو إحداث أمر مستمرّ، أو حدوثه في استمراره ومع البقاء، ومن مصاديقه: حدوث في بقاء واستمرار وتجدّد، وتربية شي‌ء إحداثاً وإبقاءً، وخلق في تربيةٍ وتقدير، وإحداث سحاب وسوقه إلى نقطة للإمطار، وإحداث برنامج علميّ وإجراؤه، وحدوث حالة شباب واستمراره… وفي التنشئة يكون النظر إلى جهة الوقوع والتعلّق بالمفعول، كما قلنا في موارد أُخر: {هُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنّٰاتٍ}( )، {أَنْشَأَهٰا أَوَّلَ مَرَّةٍ}( )، {يُنْشِئُ السَّحٰابَ}( )، {أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَهٰا أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِؤُنَ}( )، {ثُمَّ أَنْشَأْنٰا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْناً آخَرِينَ}( )، {هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ}( )، {ثُمَّ أَنْشَأْنٰاهُ خَلْقاً آخَرَ}( )، فالمادّة في هذه الأفعال تدلّ على إحداث في استمرار»( ).
المستفاد ممّا تقدّم:
أوّلاً: إنّ التربية هي تنمية الشيء مادّياً أو معنوياً، أو هي «إنشاء الشي‌ء حالاً فحالاً إلى حدّ التمام»( ) ذاتاً وأخلاقاً وعملاً وأدباً وعلماً وترفيعاً.
ثانياً: إنّ التربية قد تكون إلهية أو بشرية، ولا تختصّ بالصغار، وإن شاع إطلاقها على ذلك، كما أنّها لا تختصّ بالإنسان، بل تشمل الحيوان والنبات، كلٌّ بحسبه.
ثالثاً: إنّ التربية قد أُخذ فيها حمل المربِّي للمربَّى ـ ولو قسراً وإجباراً ـ على ما يصبّ في مصلحته وتنميته.
رابعاً: إنّ التنشئة هي من أنواع التربية، وتمثّل مرحلة من مراحلها، وهي مرحلة التربية في مراحل العمر الأُولى، وقد تُطلق على حسن التربية أيضاً.
خامساً: إنّ التربية قد أُخذ فيها الاستمرار، فهي لا تقف عند حدٍّ معيّن؛ لأنّها انطلاقة نحو الكمال.
النقطة الثانية: أقسام التربية
للتربية أقسام عديدة، ولا تقتصر على ما شاع بين الناس من التربية الجسمية، نذكر منها الأقسام الآتية:
التربية الجسمية: وهي العناية التي يوليها المربّي ـ الآباء والأُمّهات والأجداد ـ لجسم المربّى، بحيث يؤدّي فقدانها إلى مرض البدن، أو إيجاد عاهة مؤقّته أو دائمة فيه، ومنها توفير النظافة والتغذية الكافية والصحّية، وحفظه عمّا يضرّه؛ لينشأ الأولاد «على خير ما ينشؤوا عليه، من قوّة الجسم، وسلامة البدن، ومظاهر الصحّة والحيوية والنشاط»( ).
التربية الإيمانية: و«المقصود بالتربية الإيمانية ربط الولد منذ تعقله بأُصول الإيمان»( )، كالإيمان بالله سبحانه وملائكته ورسله والأئمّة المعصومين، وتدريبه منذ صغره على العبادات البدنية والمالية، كالصلاة والصوم والزكاة، وتأديبه على حبّ رسول الله ’، وحبّ آل بيته، وتلاوة القرآن، واصطحابه إلى محالّ الطاعة، كالمراقد المقدّسة والمساجد والمحافل الدينية والشعائر الحسينية.
التربية الخُلقية: «وهي مجموعة المبادئ الخُلقية، والفضائل السلوكية والوجدانية التي ينبغي أن يتلقّنها الطفل، ويكتسبها ويعتاد عليها، منذ تمييزه وتعقّله إلى أن يصبح مكلّفاً، إلى أن يتدرّج شاباً، إلى أن يخوض خضم الحياة»( )، فيُبنى له منظومة أخلاقية من خلال تلقينه المفاهيم النظرية، وخلق قدوةٍ صالحةٍ يقتدي بها عملياً.
التربية النفسية: «والمقصود بالتربية النفسية: تربية الولد منذ أن يعقل على الجرأة والصراحة، والشجاعة والشعور، وحبّ الخير للآخرين، والانضباط عند الغضب، والتحلّي بكلّ الفضائل النفسية والخلقية على الإطلاق»( )، والابتعاد عن الصفات النفسية المنبوذة.
التربية العقلية: والمقصود بالتربية العقلية تكوين منظومة معلوماتية وفكرية واعية ومتناسقة للمربّى بكلّ ما هو نافع‌ من العلوم الشرعية، والثقافة العلمية والعصرية، والتوعية الفكرية والحضارية، حتّى ينضج فكرياً، ويتكوّن علمياً وثقافياً( ).
التربية غير التعليم
إنّ مفهوم التربية أعمّ من التعليم؛ لأنّ التربية تشمل كلّ ما يحتاج إليه المربّى في نموّه ورشده؛ سواء كان من لوازم الجسم أو العقل أو النفس، أمّا التعليم فيختصّ بما يخرجه من الجهل إلى العلم، فالتعليم هو أحد أقسام التربية، وكلّ منهما مرتبط بالآخر، ويصحّ أن يُقال: كلّ تعليم هو مصداق للتربية وفرد منها، وليس العكس صحيحاً.
النقطة الثالثة: مراحل التربية والنشأة
للتربية والتنشئة مرحلتان أساسيتان، يُسهم في تكوينهما الأب والأُم على حدٍّ سواء، فكلّما كان الاهتمام بتحقّقهما أكبر كانت التربية أجدى وأكمل، وهما مرحلة ما قبل الولادة، ومرحلة ما بعدها.
المرحلة الأُولى: وهي المقدّمات والأسباب اللازم توفيرها من قبل الزوج؛ للحصول على ذرّية صالحة وسليمة من الآفات النفسية والبدنية، وذلك من خلال التركيز على أهمّية اختيار الزوجة ذات المواصفات الجيّدة، وأهمّية عامل الوراثة في صلاح الذرية، وأهمّية اتباع الروايات التي حدّدت الزمان المناسب، والكيفية المناسبة، والمكان المناسب للجماع، وأهمّية الدعاء في طلب الولد الصالح، وأهمّية الاهتمام بمرحلة الحمل، وبنوعية الأكل بالنسبة للزوجة، وأُمور أُخرى قد ذكرت بعضاً منها فيما مضى( ).
وإليك إجمالها:
1ـ اختيار الزوجة الصالحة: وقد مرّ بيانه.
2 ـ اختيار وقت الجماع.
وردت روايات كثيرة في مراعاة أوقات الجماع وكيفيته، تحثّ على اتّباع الزمان والمكان والكيفية الأمثل، فبعض الأزمنة والكيفيات قد تُسبب ضياع الطفل، أو اكتسابه بعض الصفات البدنية أو النفسية غير الجيّدة.
ومن هذه الأزمنة والكيفيات الممنوعة: الجماع في حالة الطمث (الحيض)، أو بعد الاحتلام، أو حال الاختضاب (أي: وضع الحناء)، أو حال كون الزوج والزوجة واقفين، أو كونهما عاريين، أو يتكلّمان حال الجماع، أو أن ينظر الرجل في فرج زوجته، أو أن يجامعها في سفينة، أو مستقبلاً للقبلة، أو بين الطلوعين، ووقت خسوف القمر، وكسوف الشمس، أو في وقت هبوب الرياح السوداء أو الصفراء أو الحمراء( ).
3ـ الاهتمام بالدعاء
للدعاء أهمّية بالغة في حياة المسلم والمسلمة، فهو الوسيلة المثلى للتقرّب إلى الله تعالى، وجلب المحبوب، ودفع المكروه، وقد تعلّمنا من سيرة أهل بيت النبوّة أنّ منهج الدعاء له تأثير كبير في حياة الإنسان.
وجاء الحثّ الكثير في الكتاب والسنة على ضرورة الالتزام بالدعاء، فإحدى الآيات تبيّن أنّ للدعاء أثراً كبيراً في قبول الإنسان عند ربّه، فتقول الآية: {قُلْ ما يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ}( )، وفي آية أُخرى تهدّد تارك الدعاء بالنار؛ لأنّ الدعاء عبادة، والتكبّر على العبادة يوجب دخول النار: {وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ}( )، إلى غيرها من الآيات.
أمّا الروايات فكثيرة، أذكر منها الرواية التي تبيّن أنّ للدعاء أثراً بالغاً في تغيير مصير الإنسان من الأسوأ إلى الأحسن، ومن الشقاء إلى السعادة، فتقول الرواية: «الدعاء يدفع البلاء النازل، وما لم ينزل»( )، كما أنّ الدعاء مخّ العبادة على حدّ تعبير الرواية: «الدعاء مخّ العبادة»( )، فدعاء الأب والأُم له أثر كبير في حياة الطفل قبل وبعد الولادة، وقد دلّت الروايات على أنّ هناك أدعية خاصّة بطلب الولد الصالح، ففي رواية عن الإمام الصادق ×: «إذا أردت الجماع فقل: اللّهم ارزقني ولداً، واجعله نقيّاً، ليس في خلقه زيادة ولا نقصان، واجعل عاقبته إلى خير»( ).
4 ـ الاهتمام بمرحلة الحمل
لهذه المرحلة أثر كبير ومهمّ في عملية تحسين النسل وصلاحه من الناحيتين البدنية والنفسية، لذا جاءت التوصيات تؤكّد الاهتمام بهذه المرحلة، محاولة تجنيب المرأة المؤثِّرات السلبية، كارتفاع درجة الحرارة، أو الصدمة القوية، أو سوء التغذية، أو تعكّر جوّ العائلة، أو الاضطرابات العصبية، فهذه الأُمور تؤدّي إلى إضعاف عقل الجنين وبدنه؛ لذا حثّت الروايات على أُمور، منها الاهتمام بالطعام، وركّزت على بعض الأصناف من الطعام، وبيّنت أنّ للطعام أثراً إيجابياً كبيراً في سمات الطفل وصفاته.
وقد وردت أكثر من رواية تركّز على الطعام الانتقائي للحامل، أذكر منها، الرواية الواردة عن رسول الله ’: «أطعموا حبالاكم السفرجل، فإنّه يحسّن أخلاق أولادكم»( )، كما حثّت الروايات على أكل السفرجل من قبل الأب والأُم، ففي الرواية: «… المرأة الحامل تأكل السفرجل؛ فإنّ الولد يكون أطيب ريحاً، وأصفى لوناً»( )، كما أنّ أكل الفواكه مثل الرمان والتين والعنب والزبيب، وكذلك أكل اللحم والخضروات والبقول والسلق، ممّا أكّدت عليه الروايات في فترة الحمل.
المرحلة الثانية: ما بعد الولادة
وتتناول الأُمور اللازم توفيرها بعد الولادة، ابتداءً من مرحلة النفاس وما بعدها، وانتهاءً بالمرحلة الحادية والعشرين، وقسمت هذه المرحلة على أقسام:
الأوّل: (المرحلة المبكّرة).
الثاني: (مرحلة التعليم الأُولى).
الثالث: (مرحلة التعليم الثانية).
تفصيل مراحل التربية بعد الولادة
بعدما عرّفنا في القسم الأوّل المقدّمات اللازم توفيرها من قبل الزوج للحصول على ذريةٍ صالحةٍ وسليمةٍ من الناحية الجسمية والروحية، ندخل في القسم الثاني، وهذا القسم يعتبر القسم العملي للتربية، وهو أكثر أهمّية من القسم الأوّل، وقد قسّمته إلى ثلاث مراحل:
المرحلة الأُولى: (المرحلة المبكّرة)
وتبدأ هذه المرحلة من ولادة الطفل إلى سنّ السابعة، والنفاس هو أوّل شيء نتعرّض له في هذه المرحلة.
1ـ النفاس:
هو الخطوة الأُولى ما بعد الولادة، وهذه المرحلة لها أهمّية في إمكان تحسين النسل، والنفاس هو فترة من الزمن يخرج فيها دم يقذفه الرحم بالولادة معها أو بعدها، على نحوٍ يُعلم استناد خروج الدم إليها، ولا حدّ لقليله، وحدّ كثيره عشرة أيّام من حين رؤية الدم( )، وله أحكام خاصّة تُراجع في الرسائل العملية للفقهاء.
وفي هذه الفترة أوصى أهل البيت بتناول أنواع معيّنة من الأغذية، وأهم ما أكّدوا عليه من الطعام الرُّطب، فقد ورد في الرواية عن رسول الله ’: «لا تأكل نُفساء ـ يوم تلد ـ الرُّطب فيكون غلاماً إلّا كان حليماً، وإن كانت جارية كانت حليمة»( ).
2ـ الرضاعة:
وبعد خطوة النفاس تأتي خطوة الرضاعة، وهذه الخطوة ذات أهمّية بالغة في مسار حياة الطفل من الناحية البدنية والنفسية، وهي أهمّ من خطوة النفاس؛ نتيجة لطولها ومقدار ما يتلقّاه الطفل من التغذية (الحليب).
وللتغذية الانتقائية في هذه المرحلة أهمّية بالغة، فكلّما كان غذاء الأُم جيّداً وطاهراً وحلالاً كان الحليب كذلك؛ لذا فإنّ الشرع المقدّس أكّد واهتمّ بمسألة التغذية في هذه الفترة، حتّى أنّ الروايات في هذا الباب قد فاقت عدد الروايات في الأبواب السابقة التي حثّت على تحسين النسل.
ونجد الروايات قد اهتمّت أيضاً بنوع المرضعة وصفاتها الكمالية والجمالية؛ لانعكاس صفاتها على المولود، وقد أكّدت الروايات على ضرورة وأفضلية إرضاع الأُمّ لولدها، فقـد ورد في الرواية: «ليس للصبي خير من لبن أُمّه»( )، فالرواية تدلّ على أفضلية حليب الأُمّ على كلّ أنواع الحليب، سواء كان من امرأة أُخرى، أم من الحليب المجفّف، وقـد جاءت الآيات القرآنية مبيّنة فترة الرضاعة، قال تعالى: {وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ}( ).
وقد وردت روايات تمنع أن تسترضع مَن كانت غير متديّنة، أو غير سليمة من الناحية الجسدية أو النفسية والعقلية، وإليك بعض الروايات: «اُنظروا مَن يرضع أولادكم؛ فإنّ الولد يشبّ عليه»( )، وهناك رواية أُخرى تحذّر من استرضاع الحمقاء، كما حذّرت الروايات فيما سبق من الزواج بها، يقول الإمام الباقر ×: «لا تسترضعوا الحمقاء؛ فإنّ اللبن يعدي»( ).
3ـ مراسم الولادة والتسمية:
هناك مجموعة من المراسم التي جعلها الشارع المقدّس، منها ما هو واجب، ومنها ما هو مستحب، فمن الأُمور المستحبة: غسل الولد بالماء، والأذان في أُذنه اليمنى، والإقامة في اليسرى، وتحنيكه بماء الفرات، أو تربة الإمام الحسين ×، أو التمر، وتسميته الأسماء الحسنة، وحلق رأس المولود في اليوم السابع من الولادة، ذكراً كان أو أُنثى، والتصدّق بوزن شعره ذهباً أو فضةً، وتستحبّ الوليمة عند الولادة وبعدها، ومن المستحبّات أيضاً العقيقة عن المولود ـ ذكراً كان أم أُنثى ـ في اليوم السابع من الولادة، ولها أحكام خاصّة مذكورة في كتب الفقه( ).
وهذه المستحبّات ذُكرت في بعض الروايات، أذكر منها ما جاء عن الإمام الصادق ×: «مَن وُلِد له مولود فليؤذّن في أُذنه اليمنى بآذان الصلاة، وليُقِم في أُذنه اليسرى؛ فإنّه عصمة من الشيطان الرجيم»( )، وفي الرواية إشارة إلى الجانب الروحي والمعنوي الذي يحصل عليه الطفل بسبب هذه المراسم. وعن أمير المؤمنين ×: «حنّكوا أولادكم بالتمر؛ فكذا فعل رسول الله ’ بالحسن والحسين»( ). كما وردت روايات تحثّ على أهمّية التسمية، وضرورة الالتزام ببعض الأسماء، مثل: (محمد وعلي وفاطمة والحسن والحسين، وأسماء الأنبياء، وأسماء العبودية، كعبد الله وعبد الرحمن). وإليك بعض الروايات( )، فقد ورد في رواية عن أبي جعفر ×: «أصدق الأسماء ما سمّي بالعبودية، وأفضلها أسماء الأنبياء»( )، وفي روايةٍ أُخرى: «استحسنوا أسماءكم؛ فإنّكم تُدعون بها يوم القيامة»( )، وفي رواية ثالثة: «حقّ الولد على والده أن يُحسن اسمه وأدبه…»( )، وفي قبال ذلك هنـاك أسماء ممنوعة، وغير مرغوب فيها، مثل: (حرب ومرّة وخالد وحكيم وحارث وظالم)، وأسماء أعداء أهل البيت كيزيد ومرحب وغيرها( ).
أمّا المراسم الواجبة فأبرزها الختان، فهو واجب لنفسه، وواجب لغيره، فهو شرط في صحّة الطواف، هذا من الناحية الشرعية.
4. التربية العملية:
وسنقسّم هذه التربية بحسب مراحل السن التالية:
أ: الأعمار من (1-7)
الخطوة الرابعة من هذه المرحلة، مرحلة ممارسـة التربية العملية، وقد أولاها علماء التربية (الاتجاه الوضعي) اهتماماً بالغاً، حتّى أنّ بعضهم قـد رسم شخصيّة الفرد كاملة من خلال استقرائه لهذه المرحلة، أمّا الاتجاه السماوي فقد أولى هذه المرحلة اهتمامه، ولكن ليس بدرجة كبيرة جداً، فإنّ هناك مراحلَ متأخرة عنها أهمّ منها.
فهذه المرحلة (1ـ7) مرحلة تربية تمهيدية، وقد خلع عليها المشرّع الإسلامي صفة اللعب أو السيودية للطفل، وقد وردت هذه الألفاظ في الروايات، أذكر منها رواية عن الإمام الصادق ×: «دع ابنك يلعب سبع سنين، وألزمه نفسك سبع سنين، فإن أفلح وإلّا فلا خير فيه»( )، أو: «الغلام يلعب سبع سنين…»( )، وفي رواية أُخرى: «الولد سيّد سبع سنين، وعبد سبع سنين، ووزير سبع سنين»( ).
فهاتان الروايتان وغيرهما تدلّ على أنّ هذه المرحلة ليست بمستوى المراحل التالية في الأهمّية؛ فإنّ الطفل يُترك فيها يلعب وكأنّه سيّد الموقف، ولكن مـع هذا اللعب والسيودية يُعلَّـم بعض التعاليم الخفيفة السهلة التي تُناسب عمـره، فيُدرَّب على بعض الأشيــاء المهمّة، ويُعلَّم بعض الكلمات الدينية، ومن أمثلة ما يُعلّم في هذا العمر أن يتعلّم قول (الله)، وقول (لا إله إلاّ الله محمد رسول الله)، و(اللّهم صلّ على محمد وآل محمد)، والتوجّه إلى الصلاة وغيرها من الأفكار.
ب: مرحلة التعليم الأُولى (7 ـ 14)
نجد الأوصاف قد تغيّرت في هذه المرحلة عما كانت عليه في المرحلة السابقة، فقد كانت الروايات تسمّي الطفل بأنه سيّد، أو أنّه يلعب، بينما هنا تغيّر لسانها، فالروايات كانت تقول: «دع ابنك يلعب سبع سنين…»، وفي رواية أُخرى: «الولد سيّدٌ سبع سنين»، أمّا هذه الفترة فهي مختلفة، فهي فترة عبودية وطاعة للمربّي، وفترة يُلزم فيها المربّي بمراقبة الطفل أو الحدث، وقد أولاها الشارع المقدّس اهتماماً بالغاً أكثر من الاهتمام بالمرحلة السابقة، وأكّدت النصوص أنّ التعلّم هنا تعلّم فيه جدّية أكثر، بل إنّها المرحلة التي يتأثّر بها سلوك الإنسان وشخصيته في مستـقبل حياته، كما دلّت بعض الروايات التي منها: «وألزمه نفسك سبع سنين، فإن أفلح وإلّا فلا خير فيه»، فهنا دلالة واضحة على أنّ التربية إذا لم تنجح في هذه المرحلة، فمن الصعب السيطرة على الطفل لاحقاً.
وأهمّ التوصيات في هذه المرحلة نستطيع أن نذكرها بعد استعراض روائي لهذه المرحلة، فقد ورد في الرواية «الغلام… يتعلّم الكتاب سبع سنين»( )، وفي روايـة عن رسول الله ’: «علّموا أولادكم السباحة والرماية»( )، وفي رواية أُخـرى: «… ويؤدّب سبع سنين»( ).
وهذه الروايات أكّدت على مسألة تعلّم كتاب الله تعالى، وتعلّم السباحة والرماية الشائعتين في ذلك العصر، والآن السباحـة كما هـي، ولكن الرمايـة كانت سابقاً بالسهم، ولعلّها الآن بالبندقية، وتعليم الحدث أساليب القتال، لا لأجل العدوان والدموية كما يتصوّر البعض، ولكن لأجل الدفاع عن النفس والعرض والدين إذا ما اعتُدي عليه.
وهناك روايات أكّدت على ملء قلب الصبي في هذه المرحلة بالأحاديث والتعاليم الصحيحة، باعتبار أنّ قلب الصبي أو الحدث كالإناء الفارغ، يتلوّن بالسائل الذي يُوضع فيه، وحذّرت الروايات من خطر امتلاء قلب الصبي بالعقائد الفاسدة والمذاهب الباطلة، وإليك بعض الروايات الدالّة على ذلك:
ففي الرواية عن الإمام الصادق ×: «بادروا أحداثكم بالحديث قبل أن تسبقكم إليهم المرجئة( )»( )، وفي رواية أُخرى: «لا خير فيمَن لا يتفقّه من أصحابنا. يا بشير، إنّ الرجل منهم إذا لم يستغنِ بفقهه احتاج إليهم، فإذا احتاج إليهم أدخلوه في باب ضلالتهم، وهو لا يعلم»( ).
وهذه المرحلة (7 – 14) اتّسمت بصفة الإلزام والإجبار والعقاب فيما لو صدر العصيان أو التمرّد من الأولاد، بخلاف المرحلة السابقة (1 – 7) التي خلت من ذلك، وهذا يدلّ على أنّ لكلّ فترةٍ من حياة الطفل وسائل وبرامج خاصّة ينبغي اتّباعها، وأيّ إخلال فيها يؤثّر في تربية الطفل سلبياً.
ج: مرحلة التعليم الثانية (14ــ 21)
وهذه المرحلة من أهمّ المراحل، ونستطيع أن نُطلق عليها مرحلة التعليم الكبرى، حيث كُثّفت الأدوات المعرفية والثقافية على الأولاد في هذا السنّ، فيُعلَّمون فيها أُمور الشريعة لكي يطبّقوها، ويطلق بعض الباحثين على هذه المرحلة مرحلة (سنّ الرشد)، وقد تظافرت الروايات على مميّزاتها، واللازم تقديمه للأولاد فيها، ففي رواية: «الغلام يلعب سبع سنين، ويتعلّم الكتاب سبع سنين، ويتعلّم الحلال والحرام سبع سنين»( )، وفي الرواية السابقة: «الولد سيّدٌ سبع سنين، وعبدٌ سبع سنين، ووزيرٌ سبع سنين».
إنّ الفقرتين الأخيرتين من الرواية الأُولى والثانية تبيّنان سمة هذه المرحلة، وأنّها مرحلة تعليم الحلال والحرام، وأنّ الولد فيها وزير، ففي هذه المرحلة( ) يصبح الولد الذكر مكلّفاً بتكاليف السماء، وعليه الالتزام بمسائل الشريعة، فيعمل بالواجبات، ويترك المحرمات، وهذا العمل بالواجب والترك للمحرم هو فرع تعلّم مسائل الحلال والحرام، فالعلم ثمّ العمل، فيتحمّل الولد كامل المسؤولية بالالتزام بالأحكام الشرعية حلالها وحرامها.
ثم إنّ الرواية الثانية تبيّن أنّ الولد أصبح وزيراً في هذه المرحلة بعد أن كان سيّداً في المرحلة الأُولى، وعبداً في المرحلة الثانية، وإعطاء صفة الوزارة في هذه المرحلة يدلّ على تطوّر مدركات الولد، ولكن ليس إلى حدّ أن يتصرّف باستقلالية. نعم، له استقلال ولكنّه ناقص، ويكمل استقلاله باستشارة المربّي الذي يمثّل رئيس الدولة في مملكتهم الصغيرة التي هي منزلهم، فالمراهق يحسّ ببعض الاستقلالية في إدارة الشؤون خلال هذه المرحلة، ولكنّ القول الفصل ليس بيده، بل بيد رئيس الدولة (المربّي)، كما أنّ طاقات الأولاد تبرز في هذه المرحلة خصوصاً في سنّ الثامنة عشرة، كما دلّت الرواية: «لا يزال العقل والحمق يتغالبان علــى الرجل إلى ثماني عشرة سنة، فإذا بلغها غلب عليه أكثرهما فيه»( ).
المبحث الثالث:
النشأة الصالحة تخلق نشأة صالحة (أُم البنين والعباس ×)
كان لنشأة السيّدة أُمّ البنين في أُسرة كريمة ـ كما تبيّن ممّا مرّ ويأتي ـ الأثر الأكبر في استقامتها وتميّزها بصفات عظيمة؛ إذ إنّ الأبناء يرثون صفات الآباء، ويكتسبون من أخلاقهم وتربيتهم، وهنا بيان إجمالي لنشأة أُمّ البنين الصالحة، وأثرها في إعداد الجيل الصالح، فقد عُرفت عائلة أُمّ البنين بصفاتٍ، أهمّها:
1ـ الشجاعة: فهذه الأُسرة معروفة بهذه الصفة، وكانت محطّاً للأنظار في ذلك الحين، وقد أنجبت تلك القبيلة الفحولة من العرب، ومن فرسانها الشجعان: عامر بن الطفيل، وهو أخو جدّة أُمّ البنين، وعامر بن مالك المعروف بملاعب الأسنّة، وهو الجدّ الثاني لأُمّ البنين، وغيرهما كالطفيل، وعروة بن عتبة.
وقد أشار الشاعر لبيد ـ وهو من أبناء هذه القبيلة ـ إلى ذلك في مجلس النعمان بن المنذر ملك الحيرة، حيث يقول:
نحن بنو أُمّ البنين الأربعة
سيوف جنٍّ وجفانٌ مترعة

ونحن خير عامر بن صعصعة
الضاربون الهام تحت الخيضعة( )

جاء في سفينة البحار: «لبيد هو أبو عقيل لبيد بن ربيعة العامري، عمّ حزام بن خالد بن ربيعة، والد أُمّ البنين‏ زوجة أمير المؤمنين ×، أُمّ عبّاس بن علي وإخوته، وكان من أشراف الشعراء المجيدين المخضرمين، والفرسان المعمّرين، عمّر مائة وأربعين سنة أو أزيد، وأدرك الإسلام، وأسلم وهاجر وحسن إسلامه، ونزل الكوفة أيّام عمر بن الخطّاب، فأقام بها حتّى مات في أواخر خلافة معاوية، وهو أحد شعراء الجاهلية أصحاب المعلّقات، وكان من أجواد العرب، حكي أنّه آلى على نفسه في الجاهلية أن لا تهبّ صبا إلّا أطعم، وكان له جفنتان يغدو بهما ويروح في كلّ يوم على مسجد قومه فيطعمهم»( ).
انعكاس التربية
وهذه التربية على الشجاعة وأجواء القوّة والبطولة التي كانت تعيشها أُمّ البنين انعكست إيجاباً على تربيتها لأبنائها، فكان العباس × وإخوته مضرب الأمثال في الشجاعة والاستبسال، فنشأتها في بيت شجاع أنجب أبناءً شجعاناً، فالأصل إن طاب طاب الفرع والثمر، لذا كانت الشجاعة من مفاخر أبي الفضل، فقد أنشأ في ميدان الطف يقول:
لا أرهب الموت إذا الموت زقا
حتّى أُوارى في المصاليت لقا( )

2ـ الجود والسخاء وطيب النفس
ومن صفات هذه الأُسرة التي انعكست على أُمّ البنين الجود والسخاء، فكانت أُمّ البنين طيّبة النفس، سخية في المال والنفس والأبناء، فقد آثرت أبناء الزهراء ÷ على أبنائها، وافتدتهم بهم، وواقعة كربلاء واضحة الدلالة على الجود والإيثار الذي تحلّى به العباس × تجاه الإمام الحسين ×، وهذا انعكاس لتربيتها له، وقد بيّنا ذلك تفصيلاً في بحث مطبوع( )، وسنُشير إجمالاً إلى ذلك في طيّات البحث تحت عنوان خاصّ مشترك بين أُمّ البنين والعباس ×.
3ـ الأدب والشعر
عرفت تلك القبيلة بالأدب والشعر، فكان لديها مجموعة شعراء تميّزوا بالفصاحة والبلاغة ودقّة التصوير، ولعلّ الشاعر لبيد من أبرزهم، وهذه أبيات من شعره:
بلينا وما تبلى النّجوم الطوالعُ
وتبقى الجبال بعدنا والمصانعُ

وقد كنت في أكناف جارٍ مضنّة
ففارقني جار بأربد نافعُ

فلا جزع إن فرّق الدّهر بيننا
فكلّ فتى يوماً به الدّهر فاجعُ

وما الناس إلاّ كالدّيار وأهلها
بها يوم حلّوها وغدوا بلاقعُ

وما المرء إلاّ كالشّهاب وضوئه
يحور رماداً بعد إذ هو ساطعُ

وما البرّ إلاّ مضمرات من التقى
وما المال إلاّ معمرات ودائعُ

وما المال والأهلون إلاّ ودائع
ولا بدّ يوماً أن تردّ الودائعُ( )

وهذا الأدب والشعر ورثته عن أهلها، وأورثته لأبنائها، وشعر العباس × في واقعة الطف وارتجاله لهو أكبر الشواهد على أثر الوراثة والتربية الأدبية في ذلك، وقد مرّ سالفاً بعض شعره، وسيأتي أيضاً.
العامل الوراثي
وقد أشار الشعراء في أدبهم إلى علاقة طيب أصل أُمّ البنين ونشأتها الكريمة بالصفات التي أخذها العباس × وإخوته عنها، ومن ذلك شعر العلامة الشيخ هادي كاشف الغطاء في مقبولته:
أُمّ البنين طابت الأبناءُ
منك كما قد طابت الآباءُ

أُمّ الأُسود من بني عمرو العلا
أُمّ الحماة والأُباة النبلاء( )

وقد اتّصفت أُمّ البنين بصفاتٍ أُخرى ميّزتها، منها:
الوفاء: فإنّ من صفاتها الظاهرة المعروفة فيها هي صفة: (الوفاء)، فقد عاشت مع أمير المؤمنين × في صفاء وإخلاص، وعاشت بعد شهادته مدّة طويلة لم تتزوّج غيره، إذ خطبها أبو الهياج بن أبي سفيان بن الحارث فامتنعت، وقد روت حديثاً عن علي × في أنّ أزواج النبيّ والوصيّ لا يتزوّجْنَ بعده( ).
وذكر بعض أصحاب السِّير أنّ شفقتها على أولاد الزهراء ^ وعنايتها بهم كانت أكثر من شفقتها وعنايتها بأولادها الأربعة العباس × وإخوته، بل هي التي دفعتهم لنصرة إمامهم وأخيهم أبي عبد الله الحسين ×، والتضحية دونه، والاستشهاد بين يديه، وهذا المعنى قد انعكس بوضوح على فداء العباس × وإخوته لأخيهم وإمامهم الحسين ×، فالتربية على الوفاء ولّدت عند أبنائها الوفاء.
ومنها: ولاؤها للزهراء وآل الزهراء، فقد روي عن الإمام الصادق × أنه قال: «كانت أُمّ البنين ـ أُمّ هؤلاء الأربعة الإخوة القتلى ـ تخرج إلى البقيع، فتندب بنيها أشجى ندبةً وأحرقها، فيجتمع الناس إليها يسمعون منها، فكان مروان يجيء فيمَن يجيء لذلك، فلا يزال يسمع ندبتها ويبكي» ‏( )، وكذا كان أبناؤها يُكنّون كلّ الحبّ والإخلاص لأخيهم الحسين ×.
ومنها: العفّة والشرف: فكانت أعفّ نساء قومها، وأعظمهنَّ شرفاً وحياءً، وكذلك تميّزت بصفاتٍ أُخر، كحسن التربية، والقناعة، والزهد، وغيرها، وهذه الصفات أورثتها أبناءها، فكانوا في غاية العفّة والوفاء والإخلاص لأبناء الزهراء ÷، ولا سيّما علاقة العباس × بأخيه الإمام الحسين × كما أشرنا.
العباس × ثمرة تربية أُمّ البنين
إنّ هذه الصفات التي اتّصفت بها أُمّ البنين أهّلتها لأن تحتضن وتربّي ناصر الحسين ×، فبين صفاتها الذاتية، ونشأتها الصالحة، ومراعاتها للآداب والأخلاق الإسلامية، نشأ أبو الفضل العباس ×، وانعكست تربية أُمّ البنين على تربيته، فكان العباس × ثمرة ذلك كلّه، فتربّى هو وإخوته على الشجاعة، والإباء، والوفاء، والأدب، والشعر، وصلابة الايمان، كما وصفه الإمام الصادق ×: «كان عمّنا العباس بن علي نافذ البصيرة، صلب‏ الإيمان‏، جاهد مع أبي عبد الله، وأبلى بلاءً حسناً، ومضى شهيداً»( ).
صفات العباس × وصفات أُم البنين
قلنا: إنّ صفاتَ أبي الفضل العباس × مشتقة في كثير من جوانبها من أُمّ البنين، طبعاً بغضّ النظر عن الصفات التي ورثها واكتسبها من أمير الموحّدين ×، فإنّ ذلك خارج عن بحثنا، وهناك صفات كثيرة مشتركة، ولكنّي سأُركّز على نموذج واحد، وهو (الإيثار).
صور من إيثار أُمّ البنين
1ـ آثرت أبناء الزهراء ÷ ورعايتهم على أبنائها، وكانت تقدّمهم عليهم، ولم تشعرهم بأنّهم ليسوا أبناءها.
2 ـ آثرت أن تقضي شبابها في خدمة أبناء الزهراء ÷، ومداراتهم إطعاماً وخدمةً واهتماماً.
3 ـ آثرت الحسين × بأبنائها وفلذات أكبادها؛ لكي يبقى الحسين × سالماً، وهذا خلاف ما عليه جلّ النساء، من تقديم أبنائهنّ على أبناء ضرائرهنّ.
4ـ عند شهادة أبنائها كان سؤالها الأوّل عن الحسين × دون أبنائها الأربعة، كما ذكرت المصادر التاريخية.
والنصّ التالي يبين بعض ما مرّ:
ففي هامش شرح الأخبار: «قال صاحب رياض الأحزان ص60: وأقامت أُمّ البنين‏ زوجة أمير المؤمنين العزاء على الحسين ×، واجتمع عندها نساء بني هاشم يندبنَ الحسين وأهل بيته، وبكت أُمّ سلمة، وقالت: فعلوها ملأ الله قبورهم ناراً. وقال المامقاني في تنقيح المقال: ويُستفاد من قوّة إيمانها أنّ بشراً كلّما نعى إليها أحداً من أولادها الأربعة قالت (ما معناه): أخبرني عن الحسين، فلما نعى إليها الحسين، قالت: قد قطّعت أنياط قلبي، أولادي كلّهم فداء لأبي عبد الله الحسين ×، ومن تحت الخضراء… الحديث»( ).
وكذلك العباس × آثر على نفسه عدّة مرّات؛ إذ لم يشرب الماء لأنّه تذكّر عطش الحسين × كما سنذكر، وجاد بنفسه عندما نزل للمعركة فداءً للحسين ×. وإليك جملة من الروايات الدالّة على عظيم إيثاره وتضحيته، والتي نُقلت بألسنة عديدة، نذكر منها:
اللسان الأوّل: ما ورد فيه كلمة إيثار ومواساة نصّاً:
الرواية الأُولى في الخصال: عن علي بن الحسين ÷: «رحم الله العباس ـ يعني ابن علي ـ فلقد آثر وأبلى، وفدى أخاه بنفسه حتّى قُطعت يداه، فأبدله الله بهما جناحين يطير بهما مع الملائكة في الجنة، كما جعل لجعفر بن أبي طالب، وإنّ للعباس عند الله تبارك وتعالى لمنزلة يغبطه بها جميع الشهداء يوم القيامة»( ).
هذه الرواية واضحة الدلالة على عظيم إيثار العباس ×، وهي صادرة من شاهد حاضر في واقعة الطف، تحكي لنا قصّة إيثار وفداء قام العباس × بتسطير حروفها على رمضاء كربلاء، كتب فيها فداءه للحسين × بنفسه، فحصل بذلك على مرتبة يغبطه عليها كلّ الشهداء، وهذا النصّ يُعطي العباس × منزلة لم تُعطَ لكلّ الشهداء؛ لأنّ الإيثار الذي قدّمه لم يقدّمه غيره، وقد بيّنا سابقاً أنّ الإيثار كلّما كان أكبر كانت المنزلة أعظم، والمقام أعلى، فقد وقى نفس الحسين × بنفسه، كما نُقل عنه مرتجزاً:
نفسي لنفس الطاهر الطهر وقى
إنّي صبور شاكر للملتقى( )

الرواية الثانية: ما ذكره السيّد ابن طاووس في إقبال الأعمال الحسنة من زيارة الشهداء في يوم عاشوراء: «… السلام على أبي الفضل العباس بن أمير المؤمنين، المواسي أخاه بنفسه، الآخذ لغده من أمسه، الفادي له، الواقي الساعي إليه بمائه، المقطوعة يداه، لعن الله قاتليه، يزيد بن الرقاد الحيتي، وحكيم بن الطفيل الطائي…»( ).
فالزيارة المهدوية( ) لعمّه العباس × تُبيّن مقدار ما آثر به في واقعة الطف، حيث قدّم نفسه فداء للحسين ×، ولم يشرب الماء مع مكنته منه؛ سعياً لأن يشرب الحسين × وآل الحسين قبله، رغم عظيم عطشه.
وقد نُسب لأبي الفضل العباس × شعر في ذلك، ففي شرح الأخبار في فضائل الأئمّة الأطهار: «فهزم القوم، ودخل المشرعة، وأراد أن يشرب الماء، فذكر عطش الحسين ×، فصبّ الماء من يده ولم يشرب، وملأ القربة، وخرج منها قائلاً:
يا نفس‏ من‏ بعد الحسين هوني
من بعده لا كنت أن تكوني‏

هذا حسين شارب المنون
وتشربين بارد المعينِ

هيهات ما هذا فعال ديني
ولا فعال صادق اليقينِ‏»( )

اللسان الثاني: ما ورد من تعابير دالّة على الإيثار في الزيارة الواردة في حقّه ×:
فقد وردت مجموعة عبائر في زيارته تُشير أو تُشعر بالفداء العظيم والإيثار الواضح لأخيه الحسين ×، منها:
العبارة الأُولى: إيثار طاعة الله تعالى ورسوله ’ وآله والحسين × خاصّة على طاعة نفسه وهواها:
ففي كتاب المزار (للشيخ المفيد): «السلام عليك أيّها العبد الصالح المطيع لله ولرسوله ولأمير المؤمنين وللحسن والحسين صلّى الله عليهم، والسلام عليك ورحمة الله وبركاته ومغفرته ورضوانه»( ).
العبارة الثانية: إيثار الجهاد على الراحة، والمناصحة على الخيانة، من خلال إبراز عنصر الولاء لآل الله، والبراءة من أعداء الله، ففي كتاب المزار: «أشهد وأُشهد الله أنّك مضيت على ما مضى به البدريون والمجاهدون في سبيل الله، المناصحون له في جهاد أعدائه، المبالغون في نصرة أوليائه، الذابّون عن أحبائه»( ).
العبارة الثالثة: المبالغة في النصيحة، وإعطاء غاية المجهود، وترك الراحة والدّعة؛ إيثاراً منه لأخيه الحسين ×، ونصيحة لله (عزّ وجلّ) ورسوله ’، وهذه النصرة والمبالغة في النصيحة لم تكن في أمر يسير، بل في أعظم مشروع ديني يحفظ الإسلام حتّى ظهور القائم ×، فهو لم يبذل المجهود فحسب، بل أعطى غاية المجهود، ففي كتاب المزار: «أشهد أنّك قد بالغت في النصيحة، وأعطيت غاية المجهود.. أشهد لقد نصحت لله ولرسوله، ولأخيك، فنعم الأخ المواسي‏»( ).
العبارة الرابعة: إيثار الدفاع عن الأخ، والتضحية بالنفس لأجل بقائه، وإيثار نصرته، والدفاع عنه في أحنك الظروف، ولو كلّف ذلك الحياة، ففي كتاب المزار: «فنعم الصابر المجاهد، المحامي الناصر، والأخ الدافع عن أخيه»( ).
الخاتمة
كيف نستفيد من تلك التجربة؟
إنّ دراسة تجارب العظماء وسيرهم لها فوائد جمّة، لعلّ أبرزها الاستفادة منها في الحياة الإنسانية؛ فإنّ التجربة علم مستفاد، ولعلّ أهمّ تلك الفوائد اتّخاذهم أُسوة وقدوة.
دور الأُسوة والقدوة في البناء والإعداد
إنّ الاقتداء بالعظماء يوفّر فرصة كبيرة للصلاح والاستقامة؛ لأنّه يمثّل بُعداً تعليمياً لمبادئ الشريعة من جهة، وبُعداً تطبيقياً من جهة أخرى، ولعلّ الثاني أهمّ؛ لذا جاء عنوان التأسّي بالنبي ’ وآل البيت موضعاً للاهتمام الكبير في التشريع، فالقدوة عامل كبير في صلاح الناس أو فسادهم، لا سيّما في صلاح الصغار أو فسادهم، فإنّ كان المربّي صادقاً أميناً كريماً عفيفاً نشأ الولد على الصدق والأمانة والشجاعة والعفّة، وإن كان خائناً بخيلًا جباناً… نشأ على الكذب والخيانة والجبن والبخل.
لذا أمرنا الله بالاقتداء بالنبي الأعظم ’: {لَقَدْ كٰانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ الله أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كٰانَ يَرْجُوا الله وَالْيَوْمَ الْآخِرَ}( )، وكذا أمرنا بالتأسّي بإبراهيم النبي ×: {قَدْ كٰانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرٰاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ}( )، بل غير الأنبياء أيضاً ربّما يكونون أُسوة وقدوة، كالسيّدة آسيا ÷: {وَضَرَبَ الله مَثَلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ إِذْ قٰالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتاً فِي الْجَنَّةِ}( ).
ومن ذلك التأسّي بالسيّدة أُمّ البنين وفاءً وإخلاصاً، وتربية وإيثاراً، ومراعاة حتّى لأبناء زوجة الرجل الأُخرى (الشريكة) ـ كما يعبّرون ـ والتأسّي بالعباس × وفاءً وإخلاصاً وإيثاراً لعنوان الأُخوة، حتّى الإخوة من أبناء الأب، فقد كانت أُمّ البنين والعباس × مثلاً أعلى في الإخلاص والوفاء والنصيحة لخلف النبيّ المرسل ’، والسبط المنتجب ×، فنشأة الأُم نشأةً صالحة كانت سبباً مباشراً لنشأة الابن نشأةً صالحة.