الجمعة - 15 مايو 2026

الدولة الحضارية الحديثة مشروع نظري مهم..!

منذ سنتين
الجمعة - 15 مايو 2026

د. علي المؤمن ||

طرح المفكر العراقي محمد عبد الجبار الشبوط، منذ بضع سنوات، نظرية الدولة الحضارية الحديثة، ودأب على تعميقها وبلورة معالمها، وعززها بكتابه المهم «الهندسة السياسية للدولة الحضارية الحديثة»، ولا يزال يتابع بإصرار موضوعها، ويعمل على تغذيتها بمزيد الأفكار، وسد ما أمكنه من ثغرات؛ ما يدل على أن المشروع تحوّل بالنسبة إليه إلى مشروع العمر ــ إن صح التعبير ــ وإلى خلاصة لفكره السياسي، بعد ما يقارب (65) عاماً من البحث والتنظير والعمل.
وما يعزز جدية مشروع الأُستاذ الشبوط أنه يستند إلى هذه الخبرة التراكمية الطويلة، النظرية والعملية؛ فهو لم ينطلق من رؤية نظرية محضة، كما يفعل أغلب أصحاب الرؤى السياسية والقانونية والاقتصادية من الأكاديميين والمفكرين والفلاسفة النظريين، بلاستثمر تجربته الطويلة في العمل الحركي الإسلامي، ودراسة الفكر الفقهي والسياسي للدعوة الإسلامية، إلى جانب فهمه العميق لفكر السيد محمد باقر الصدر في مجال الحضارة والمدنية والفلسفة والدولة والسياسة والاقتصاد، وكذلك معاينته المباشرة لواقع الدولة الإسلامية الحديثة المتمثلة بالجمهورية الإسلامية الإيرانية، وفقهها السياسي وقانونها الدستوري وتجربتها العملية؛ فضلاً عن اطلاعه التخصصي على نظريات المفكرين المسلمين والأوروبيين ومدارسهم في مجال النهضة والتحضر والدولة، بدءاً بابن خلدون و”سبينوزا” و”توينبي” و”ماركس”، وانتهاءً بالكواكبي ومالك بن نبي و”بوبر” و”هابرماس”.
ومن خلال فهمي لمشروع المفكر الشبوط وأفكار من قرأهم وناقش نظرياتهم؛ لاحظت أنه خرج بحصيلة نظرية فكرية مستقلة، غير ملحقة بمدرسة فكرية محددة؛ فهو وإن كان منحازاً إلى فكر السيد محمد باقر الصدر، إلى جانب عدم تحسسه من القبول بالمشتركات الفكرية مع المفكرين الآخرين التي تدخل في صلب موضوع نظريته، وهو أمر طبيعي؛ إلّا أن نظريته جاءت مستقلة وخاصة به، وليست توليفية أو تأصيلية، وهي تمثل إضافة جديدة إلى الفكر العراقي والإسلامي والإنساني.
لقد استوعب الأُستاذ الشبوط في نظريته السياسية الحضارية الحديثة، أغلب النظريات والنظم الفرعية للدولة؛ بما فيها النظام القانوني والنظام السياسي والنظام الاقتصادي والنظام التعليمي ومنظومة الحقوق والحريات الخاصة والعامة، ولم يغفل البعد الديني العقدي في تكوين الدولة، وهو ما يعني أنه يرفض الجوهر العلماني للدولة أو فصل العقيدة عن الحياة العامة وتشريعات الدولة، ويترك ذلك لإرادة أمة الدولة، وهو بذلك يجمع بين حق أمة الدولة في التشريع وصياغة نظم الدولة وبين أهمية تحويل شريعة أمة الدولة إلى قوانين وسياقات ونظم، وهي نقطة مهمة جداً، تعبر عن أصالة النظرية وواقعيتها.
والحقيقة أن القبول بنظرية الدولة الحضارية الحديثة أو رفضها؛ ليس بالأمر الهيِّن، ولا يستقيم مع معيار النظر والتأمل والتفكير،خاصة حيال نظرية مترامية الأطراف في موضوعاتها وقواعدها وتفاصيلها. ولذلك؛ يمكن القبول بكثير منها ومناقشة آخر، من منطلق الاستفهام أو الرفض؛ خاصة إذا كان القارئ والدارس للنظرية يؤمن برؤية فلسفية ومنظومة فكرية معينة، وهو ما ينطبق على كاتب هذه السطور.
ولكن بشكل عام؛ أعتقد أن نظرية الأُستاذ الشبوط تصلح في سياقاتها وميكانيزماتها لأغلب المجتمعات، وخاصة مجتمعات الدول المتعددة دينياً ومذهبياً وقومياً؛ بل هي وصفة حضارية مهمة لها. أما المجتمعات التي تحظى بناظم عقدي موحّد؛ فهي تستند إلى معاييرها الخاصة التي يفرزها الناظم الموحد للمجتمع، وتحديداً في جانب شرعية النظام ومشروعية سلطات الدولة. وهذا لا يمنع أيضاً من الاستفادة من كثير من أفكار ومنهجيات النظرية في المساحات المشتركة العامة، أو ما يمكن أن نصطلح عليه (مساحات التفويض التشريعي والتنفيذي)، والتي يطلق عليها السيد محمد باقر الصدر (منطقة الفراغ التشريعي).
وأعتقد أيضاً أن تطبيق نظرية الدولة الحضارية الحديثة في أية رقعة جغرافية إدارية، سواء في العراق أو أي بلد عربي ومسلم؛ يحتاج إلى بيئة ثقافية مجتمعية موائمة، لديها القابلية على القبول بالنظرية واحتضانها وتبني تطبيقها؛ لأنها نظرية شمولية بالمعنى الموضوعي، أي تستند إلى نظرة فلسفية ورؤية فكرية شاملة تدخلفي عقيدة الدولة وبنيتها الفكرية التحتية، ولا تقتصر على البعد النُظمي السياسي، أو ما يسمى بالبناء الفوقي للدولة.
وتشبه نظرية الدولة الحضارية الحديثة في موضوعها، النظريات المعروفة في الدولة وتكوينها وبنائها ونظمها، كالنظرية الإسلامية التي انطلقت من عقول أفراد، أمثال: حسن البنا والمودودي والنبهاني والإمام الخميني والسيد محمد باقر الصدر، ثم تبنّتها وروّجت لها الجماعات الإسلامية المعاصرة، وكالنظرية الليبرالية الديمقراطية التي أسس لها “لوك” و”سبينوزا” و”مونتسكيو” و”فولتير” و”روسو” و”آدم سميث”، وتبنّتها جماعات النهضة الأُوروبية الحديثة، وكالنظرية الماركسية التي أسسها “ماركس” و”انجلز” وعملنها “لينين”، وروّجت لها الأحزاب الشيوعية، وأقامتالدول الشيوعية على أساسها، وكالنظرية العنصرية النازية التي عملنها “هتلر” وطبقها حزبه، وهكذا النظريات القومية العربية التي أسس لها الحصري والأرسوزي وعفلق وزريق، وتبناها حزب البعث وغيره.
وبالتالي؛ فإن أية نظرية لا يمكن أن تتحول إلى واقع تطبيقي بدون وجود جماعة تقوم بتبنيها والترويج لها بوصفها عقيدة الجماعة وهمّها الآيديولوجي الدائم في الحياة و(الداينمو) الذي يحركها على الصعد الاجتماعية والسياسية والثقافية. أما بقاء الفكرة أو النظرية أو العقيدة بين دفات الكتب وعلى الورق، أو فكرة للتداول في الصحافة والإعلام ومراكز الدراسات؛ دون أن تجد جماعة منظمة تتبناها؛ فإنها ستموت بمجرد صمت صاحب النظرية، وهو ما شرحته بالتفصيل في كتابي «سنوات الجمر»، في معرض المقارنة بين مآل تراث الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء ومآل تراث الشيخ حسن البنا، في إطار قناعتي بأن الشيخ كاشف الغطاء كان أكثر أهمية بكثير من الشيخ البنا، في مجالات التجديد والإصلاح الفكري والرؤية الحركية، ولكن الفرق الذي عَولم أفكار البنا، وأبقى على أفكار كاشف الغطاء حبيسة الكتب، هو أن البنا أسس جماعة تتبنى أفكاره وتروج لها، بينما لم يفعل كاشف الغطاء ذلك.
ولست هنا منحازاً إلى الأُستاذ محمد عبد الجبار الشبوط؛ حين أقول بأن نظريته في الدولة الحضارية الحديثة تستحق أن تُبنى عليها جماعة منظمة، نخبوية ابتداءً، ثم تتحول إلى جماعة جماهيرية، في مقابل الجماعات السياسية المحضة النفعية أو الجماعات المنفلتة فكرياً أو الآيديولوجية المغلقة، وصولاً إلى إمكانية العمل على تطبيق النظرية تدريجياً من خلال مؤسسات الدولة نفسها.
2