الخميس - 11 يونيو 2026

تعلموا العربية وعلموه الناس ..!

منذ سنتين
الخميس - 11 يونيو 2026

محمد الجاسم ||

 

(65)
ـ بعيدٌ عن الحقيقة .. بعيدٌ من الحقيقة !
يستخدم البعض منا عبارة (بعيدٌ عن الحقيقة) لمن كلامه يجانبها، و(قريبٌ عن الحقيقة) لمن كلامه يوافقها ،علماً إن البُعْدَ والقُرْبَ هما اسمان يختصّان بالمسافة، وهاتان المفردتان تتطلبان الاقتران بحرف الجر (مِنْ) دون غيره من الحروف، لذا فإن من فصيح الكلام أن نقول ( بعيدٌ من الحقيقة ) أو ( قريبٌ من الحقيقة ).
ورد في الحديث الشريف عن رسول الله (صلى الله عليه و آله)، أنه قال: ” السخيُّ قريب مِن الله، قريب مِن الجنة، قريب مِن الناس، بعيد من النار، والبَخيل بعيدٌ مِن الله، بعيد مِن الناس، قريب مِن النار، ولَجاهل سخيٌّ أحب إلى الله عزَّ وجلَّ من عابدٍ بخيل “.
وقال ابن المعتز: ” يا ليتَ مَنْ جاءَهُ يقرِّبُهُ … مِنْ فَضْلِ قُربانِه يُقَرِّبُني “.

ورُبَّ قولٍ.. أنفذُ مِنْ صَوْل.

 

(66)
بدَّلَ .. و.. أبْدَلَ
من الضروري أن نراعي في الكتابة والقول، الفرق بين (بدَّلَ .. و.. أبْدَلَ)، ولا نستخدم إحداهما مكان الأخرى، كما يفعل بعض الكُتّاب .
ورد في (القاموس المحيط): ” بَدَلُ الشيءِ، وبِدْلُهُ وبَدِيلُهُ: الخَلَفُ منه. ج: أبْدالٌ “، أما (بَدَّلَ) فتعني ( غَيَّرَهُ ) و ( حَرَّفَهُ ). قال تعالى :
” مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا ” 23 ـ الأحزاب .
أما الفعل (أبْدَلَ) ، فتعني غيّر الشيءَ، أيضاً، ولكن بآخرَ بديلٍ، ولا تأتي بهذا المعنى، حصرًا ، إلا مقرونة بالباء، كما في ( بدّله ) به وأخذه عوضًا عنه (بإدخال الباء على المتروك) . قال تعالى:
” فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ ” 16 ـ سبأ .
وتنطبق أحكام التبديل والإبدال (بإدخال الباء على المتروك)، على الاستبدال أيضًا، كقوله تعالى:
” أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ ” 61 ـ البقرة .

ورُبَّ قولٍ.. أنفذُ مِنْ صَوْل

 

(67)
– مِنْ ذي قَبْلُ .. أو.. مِنْ ذي قِبَلٍ !
من الأغلاط الشائعة قولهم : (تحسنت الصناعةُ أفضلَ من ذي قَبْل) , ويراد بها : تحسنت الصناعة عما كانت عليه من قَبْل ،بزيادة ( ذي ) قبل الظرف (قَبْل) ،وهذا غلط، لأنه لا معنى له ،ولأن العرب لم تستخدم هذا التركيب , و لم تجيء كلمة (قَبْل) في لغتها مسبوقة ب(ذي) .أما (ذي) فإنها لا تدخل على (قَبْل) أصلًا , و إنما أدخلها العرب على (قِبَل) بكسر القاف وفتح الباء، لمعنى غير هذا المعنى , فتقول : (أفعلُ ذلك من ذي قِبَلٍ ) ، وتفيد فيما أستُقبِلَ من الزمان، و لا شك أن الغرضين مختلفان.

– التضامن .. التواثق !
يخطئ كثيرون في الكتابة، فيستخدمون كلمة غريبة عن لغتنا العربية، ألا وهي كلمة (تضامن)، فيقولون مثلًا : (علينا أن نتضامَنَ في هذا الأمر) و (هذا المشروع يحتاج إلى تضامُنٍ بين الفرقاء) , يريدون أنّه يحتاج إلى بذل الجهد المشترك مع ثقة كل شخص بأخيه، وقد انتشرت هذه الكلمة على ألسنة المثقفين والصِّحافيّين والكُتّاب، حتى أن مَبَرَّةً فعّالةً جداً في الأعمال الخيرية والبرامج التثقيفية والترفيهية للأيتام في محافظة ذي قار، تدعى ( مَبَرَّةُ التضامُن) , وهذا يجانب الفصاحة، الصواب أن تحلَّ مكانها و تؤدي معناها المراد كلمة (التواثُقُ) التي فعلها الخماسي الماضي (تواثَقَ).
قال كعب بن زهير :
” لِيُوفوا بما كانوا عليهِ تَواثَقُوا … بِخِيفِ مِنى و اللهُ راءٍ و سامعُ “.

ورُبَّ قولٍ.. أنفذُ مِنْ صَوْل.

 

(68)
ـ الثَنايا .. و .. الأثناء
ثمة استخدامات مغلوطة شائعة لتضمين شيءٍ بشيء، فيقال:( جاء في ثَنايا الكتاب )،(ضمَّت الرسالة في ثَناياها )، دون أن يراعي القائلون، أن (الثَنايا) هي الأضراس الأربع التي تتقدم الفم، اثنتان في الأعلى، وأخريان مثلاهما في الأسفل، واحدتها ( ثَنِيَّة).
والثَنِيَّةُ أيضاً من الجَبَلِ : العَقَبَةُ، الْمُنْعَطَفُ، الطَّريقُ العالِي الْمُرْتَفِعُ.
قال الشاعر :
” أَنَا ابنُ جَلَا وطَلَّاعُ الثَّنَايَا … متَى أضَعِ العِمامَةَ تَعرِفُوني
وَإِنَّ مَكَانَنَا مِنْ حِمْيَرَيٍّ … مَكَانُ اللَّيْثِ مِنْ وَسَطِ الْعَرِينِ ” ،
وهي منسوبة الى الشاعرِ المخضرمِ سُحَيْمِ بْنِ وَثِيلٍ الرِّيَاحِيُّ، ونسبت الى المختار الثقفي أيضاً.
وبذلك لا يستقيم القول : ( جاء في ثَنايا الكتاب )، (ضمَّت الرسالة في ثَناياها )، لعدم اتّساق المعنى.
أما صواب القول في ذلك الإشكال، أن نقول : ( جاء في أثناء الكتاب )، (ضمَّت الرسالة في أثنائها )، ولابدَّ لي في هذا المقام، أن أشير أخوتي القراء أجمعين، الى أن (الأثْناء) واحدُها: (ثِنْيٌ) ،وهو قوة الشيء ومحتواه وطاقته .ولكونها كذلك فلا يجوز أن تأتي في سياق القول إلّا مسبوقة بحرف الجر (في)..فلا يصحُّ منّي أن أقولَ لصديقي ( سأزوركَ غدًا أثناءَ النهار )، وكأني أريد بـ(أثناء) ظرفَ زمان، هذا لحنٌ بَيِّنٌ، بل عليَّ القول :
(سأزورك غدًا في أثناء النهار).

ورُبَّ قولٍ.. أنفذُ مِنْ صَوْل.