السبت - 15 اغسطس 2026

المشروع الأمريكيّ في العراق

منذ 7 سنوات
السبت - 15 اغسطس 2026

◾ محمّد صادق الهاشميّ

ملاحظة : نسترعي إنتباهكم أنّ التّقرير كتب بتاريخ 1/1/2019م.


المقدّمة :

ملاحظة : نسترعي إنتباهكم أنّ التّقرير كتب بتاريخ 1/1/2019م.


المقدّمة :

إنّ أمريكا لديها مشروعٌ كبيرٌ في العراق والمنطقة، ولأجله احتلّت العراق، وأرسلت البوارج والجنود وحاملات الطائرات، ومن يتعرّف على حقيقة المشروع الأمريكيّ يعرف ويتأكّد له السّبب والكيفية التّي تعمل أمريكا على إحداث الانقلاب التّدريجي في العراق، أي أنّ أغلب الدّراسات المهمّة والتّي صدرت عن مراكز دراسات شيعية في لبنان والعراق، وأغلب ما تحدّث به المفكّرون والسّياسيون الاسلاميون هو أنّ أمريكا لم تأتِ لإنقاذ العراق من مخالب صدام، ولا حتّى تنقلب على المكوّن السّنّي الحليف لها عبر قرون لتعطي الحكم للمكوّن الشّيعيّ، من دون أنْ يكون هذا الأمر ضمن حسابات استراتجية دقيقة جدّاً، ومن هنا نقول:
(أوّلاً). أهداف أمريكا الاستراتيجية في العراق:
كثيرٌ من المفكّرين والمحللين السّياسيين يطرحون السّؤال المحيّر، وهو: أنّ أمريكا التّي تعمل على محاربة التّشيّع منذ قرون، وتواجه وتمنع انتشار التّشيّع الثّوري بعد انتصار الثّورة الاسلامية في العراق، والتّي مكّنت صدام حسين من قتل الشّيعة، وتدمير الحوزات العلمية، وإعدام مراجع الدّين، ومكّنت صدام من أنْ يضرب الحركة الاسلامية في العراق، فكيف تحوّلت قناعة أمريكا من مواجهة الشّيعة في العراق إلى أنْ تُسقط صدام حسين، وتعزل السّنّة في العراق، وتمنح الشّيعة في العراق الحكم ؟
الجواب: إنّ أمريكا لم تقدم على هذا المشروع إلّا بعد دراسات عميقة، وخلاصتها – حسب تقرير مؤسسة راند الأمريكيّة – 3-2-2001) – أنّ صدام في ضعفٍ متزايدٍ، وسوف تسقط حكومته، وأنّ الشّيعة سيحكمون العراق؛ لأنّ إيران داعمةٌ لهم، خصوصاً بعد أنْ وجدنا أنّ الشّيعة العراقيين في استعداد مستمرّ للانقلاب على نظام الحكم لأنّهم يريدون أخذ حقوقهم السّياسية، وأنّ أمريكا ترى أنّ تمكّن الشّيعة من إسقاط صدام فإنّ العراق سوف يتحوّل إلى إيران ثانيةً، فلا بدّ من أن يكون العراقُ تحت سيطرة الولايات المتحدة الأمريكيّة، حتّى وإنْ استلزم الأمر تمكين الشّيعة من الحكم، فهم تحت السّيطرة الأمريكية، وسوف تقوم بتغيير منهجهم وقناعتهم تدريجياً حتّى يومنوا بالعلاقات مع الغرب وأمريكا والخليج، ويكون الهدفُ المهمّ والبعيد المدى لأمريكا هو جعل نسبة عليا من شيعة العراق يسيرون بركبِ أمريكا بقدرٍ معيّنٍ على غرار سنّة الخليج، ومن يتابع المخطط الأمريكيّ من عام 2003 إلى الآن يجد أنّ أمريكا قد حققت عبر آلياتٍ متعددةٍ ومراحل كثيرةٍ، والباقي من مخططها قيد الانجاز، وهنا تفصيل :
مراحل المشروع الأمريكيّ في العراق

كتابة الدّستور العلمانيّ الذي يمنع قيام نظام إسلاميّ عام 2005، وقد تولّت أمريكا وضع دستور العراق في مرحلتين:
الأولى: هي «دستور المرحلة الانتقالية» من عام 2004 إلى عام 2005 ثمّ تمّ تداول كتابة المسودّة، ثمّ إقرار الدّستور العراقي عام 2005 ، وكانت بصمات الأمريكان في اختيار الرئيس، ورئيس البرلمان، ورئيس الوزراء، وكثير من الأمور بما فيها المادة (2) التّي تنصّ على علمانية الدّستور، كلّ هذه البصمات كان للأمريكان دخل فيها، بما فيه النّظام الفيدرالي .

احتلال العراق وفرض السّيطرة العسكرية عام 2003 م، وكانت أمريكا واضحةً جدّاً في أهدافها من خلال تطويع العملية السّياسية والسّياسيين لإرادتها نوعاً مّا، وكلّما وجدت شيعة العراق يخرجون عن إرادتها كلّما أدخلتهم في ظروفٍ قاهرةٍ من أمثال القاعدة وداعش .

تمكين الأحزاب الشّيعية من الحكم، فإنّ أمريكا بعد أنْ تمكّنت من أنْ ترسم وتضع وتصمم الدّستور العراقيّ بطريقةٍ تضمن مصالحها حينها سمحت للأحزاب الشّيعة الاسلامية من الحكم إلّا أنّها عملت على إضعافهم، ومنعت عليهم أنْ يتمكّنوا من بناء الدّولة العراقية، وشغلتهم بالحروب الاستنزافية للمال والرجال، ونسّقت مع مؤسسات الدّولة الأمنية: الجيش والشّرطة الاتحادية.

إضعاف الأحزاب الشّيعية حتّى لا تتمكن تلك الأحزاب من إقامة دولةٍ قوّيةٍ، وهي مرحلة إضعاف الدّولة، وابقاء الحكم فقط بيد الشّيعة، وهو حكمٌ مجرّدٌ، وقد عبّر السّيّد حسن نصر الله عن هذه المرحلة بـ: « إنّ الأمريكان لا يريدون بناء الدّولة في العراق، حتّى لا يكون للشيعة أيّ مُنجزٍ مهمٍ، بل عملت على تسقيطهم في نظر شعبهم، وخلق الاشكالات لهم».

وقعّت مع العراقييين معاهدةً أمنية عام 2008 بموجبها يسمح بقاء القوّات الأمريكيّة، كمعاهدة «صوفا».

أدخلت داعش إلى العراق حتّى تتمكن من إيجاد غطاء دولي لارجاع القوّات الأمريكيّة إلى العراق تحت غطاء التّحالف الدّولي .

تنمية المشروع المدنيّ في الجنوب والمدن الشّيعية، وإيجاد تيّار لإسقاط الأحزاب الاسلامية الشّيعية والاسلام السّياسيّ.

إدخال البعثيين إلى العملية السّياسية وإلغاء قانون «إجتثاث البعث»، وتحويله إلى المساءلة والعدالة .

تمكّنت من أنْ توجد داخل التّيّار الشّيعيّ، وهي كما يلي :
(أ). تيّار شيعي بعثي بثوب جديد.
(ب). تيّار شيعي مدنيّ .
(ج). حوّلت البعض من القيادات الشّيعية والأحزاب إلى أحزاب علمانية سياسيّاً، أو مدنيّة كخطّ العبادي، وتيّار الحكمة، والتّيّار الصّدري.
(د).حاربت الشّخصيات والأحزاب الثّوريـة الاسلاميـة كـ «الفتح، والدّعوة، والمجلس»، وأضعفت المالكي، وشوّهت صورة الإسلام الرساليّ السّياسيّ.
(هـ). تمكّنت من تفكيك البيت الشّيعيّ.
(ثانياً). أهداف أمريكا مع شيعة العراق
كما تناولنا في المقدّمة أنّ أمريكا حينما مكّنت الشّيعة في العراق صوريّـاً وشكليّـا وقيّدتهم واقعا – من خلال إيجاد الكثير من المشاكل والتّحديات لهم – من أنْ يقدّموا أيّ منجزٍ يثبت وجودهم ويبرهن على نجاحهم في حتّى لا تنجح تجربة (الإسلام السّياسيّ الشّيعيّ) وسخّرت عليهم التّحديات الخارجية «حزب البعث، والقاعدة، وداعش» والتّحديات الدّاخلية «من التّدخل الأمريكيّ والخليجيّ» وشلّ حركة الإعمار، وتحريك الأقلام المأجورة ضدّهم «الحرب النّاعمة»، وإشاعت الفساد الإداري والماليّ، كلّ هذا بهدف أنْ تخلق تيـّاراً شيعيّاً ليبراليّاً مواليّاً لها يكون نموذجاً لشيعة المنطقة، سيّما أنّ شيعة المنطقة « الخليج والشّام» يتّجهون إلى التّحرّك السّياسيّ لنيل حقوقهم السّياسية؛ لذا فإنّ أمريكا تريدُ من الشّيعة أنْ يتحرّكوا في إطار تجربة حكم سياسيّ موالي لأمريكا، وتريدُ أنْ تجعلَ النّظام السّياسيّ الشّيعي الموالي لأمريكا هو النّموذج الفاشل الذي ينفّر شيعة المنطقة من أن تحلم بمثله، فكانت الأهداف الحقيقية من كلّ هي:

الهدف الأوّل السّيطرة العسكرية:
نعم أمريكا تمكّنت من السّيطرة العسكرية والأمنية والإقتصادية على العراق كونه المركز المهمّ للتشيّع «حوزات علمية، وعلماء مراجع تقليد، ومراقد الأئمة، وأحزاب إسلاميّة عريقة، وأغلبية شيعية»، وبهذا تحارب أيّ تشكيل يحلّ بديلا عن سلّطتها مثل الحشد الشّعبي .

منع أنْ يكون شيعة العراق جزءً من المنظومة الثّورية، وخطّ الجمهورية الاسلامية الإيرانيّة، ويتمّ هذا بأساليبَ متعددةٍ من الضّغط، مع الدّفع بالعديد من الأحزاب والشّخصيات الشّيعية إلى أن تبتعد عن النّظام السّياسي الثّوريّ الإيرانيّ .

جعل شيعة العراق وحوزة النّجف الأشرف بطبيعةٍ خاصّةٍ، وظروفٍ سياسيةٍ غير متأثّرة بإيران ولو قهراً، ومن خلال الضّغوط، وتحريك الخطّ العميل داخل العراق .

جعل التّجربة السّياسية في العراق وحوزة النّجف مرجعيةً سياسيةً ودينيةً لشيعة المنطقةِ، بعد تحويلهم إلى مسار الخطّ اللّيبراليّ جعلهم مرجعية للتشيّع اللّيبراليّ في العراق والمنطقة، بدلا من أنْ يكون التّشيّع الثّوري الإيرانيّ هو مرجعيتهم؛ لأنّ الخطّ الثّوريّ الإيرانيّ خطٌّ متصادم مع الخليج وأمريكا، وبهذا يمكن لأمريكا أنْ تشطر التّشيّع في العالم إلى تشيعٍ ليبراليّ غربيّ مهادنٍ ساكتٍ، وإلى تشيّع ثوريّ، أو تشيّع نجفيّ وتشيع إيرانيّ «خطّ ولاية الفقيه»، من هنا وجدنا أنّ بعض العلماء البارزين يكتبون ويصرّحون بأنّ نظام الحكم الذي تدعمه الحوزة في النّجف هو الإسلام المدنيّ، وهذا ما صرّح به السيّد منير الخباز والسّيد حامد الحسينيّ، والسّيد جواد الخوئي وكثيرون، وأيضاً تستضيف العتبة الحسينية مؤتمراً للأكاديميين_ بتاريخ 3-7-2017) من التّيـّار المدنيّ، ويقرّون أنْ يكونَ نظام الحكم في ا لعراق مدنيـّاً ممّا جعل الشّيخ أسد قصير يهاجم هذا التّوجه من العتبة الحسينيـّة .
5- نشرت أمريكا خلايا شيعية منحرفة مثل «المهدوية والصّرخية والمولوية وجند السّماء واليمانية والشّيرازية وغيرهم»، وجعلت لهم قواعد في الجنوب، وكلّهم ضدّ الاسلام السّياسي وضدّ إيران .

حرّكتْ مدينةَ البصرة والجنوب كراراً ضدّ الإسلام السّياسيّ، وتمكّنت من إحراق القنصليـّة الإيرانيـّة، وأنْ تهتف في بغداد وعموم العراق: « إيران برّه برّه» و«يسقط الإسلام السّياسي».
(ثالثاً). النّتيجة :
من يتابع بدقّة الخطواتِ التّي تقوم بها أمريكا الآن يجد أنّ أمريكا حققت أغلب أهدافها «المرحلية والاستراتيجية في العراق» فإنّها :
(أ). أوجدت تيـّاراً علمانيّاً ليبراليّاً مدنيّاً داخل الحوزة العملية.
(ب). أوجدت نوعاً من الشّرخ بين أبناء الشّعب العراقيّ، ومعاداة الأحزاب الشّيعيـّة الإسلاميّاً.
(ج). أوجدت بعض الأحزاب التي ترفع شعار المدنيـّة.
(د). عملت على تفكيك البيت الشّيعيّ.
(هـ). منعت من أنْ يتمكّن الشّيعة في العراق من بناء الدّولة العراقيـّة .
(و). جعلت الحكومة العراقية تؤمن بإقامة علاقاتٍ مهمّةٍ مع الخليج والمحور العربيّ ضمن اتفاقات ومذكّرات تفاهم .
(ز). جعلت عدداً كبيراً من ضبّاط المؤسسات الامنية يسيرون ضمن المنهج الأمريكيّ.
(ح). تمكّنت من استعادة موقعها العسكريّ، فهي تقيم قواعد متعددة في العراق.
(ط). أضعفت الأحزاب الاسلامية الشّيعية.
(ي). حاصرت الحشد الشّعبي بقرارات صارمةٍ منها «الأمر الدّيوانيّ»، ومنها الضّربات المتكررة من القواعد الأمريكيّة ضدّ معكسرات الحشد.
(كـ). أرجعت الكثير من البعثيين إلى الحكم، وغيّرت العديد من السّياسات والقرارات لصالح البعثيين.
(ل). أجبرت الحكومة العراقية على أنْ تمنح مسعود البرزانيّ الكثير من الصّلاحيات.
(م). أجبرت الحكومة العراقية على أنْ تكون الكثير من الخطوات الإقتصاديـّة تصبّ في صالح أمريكا، ومنها خطّ أنبوب النّفط بين العراق والأردن .
(ن). أجبرت الحكومة على إخراج الحشد الشّعبيّ من سهل نينوي، وتخرج الكتائب من الصّحراء الممتدة بين العراق والسّعودية.
(س). في الوقت الذي تضرب أمريكا الحشد عسكريـاً وسياسيـّاً ودستوريـّاً نجدها تفتح الأبواب للحشد التّابع إلى العتبات المقدّسة.
(ع). جعلت الإقبال على الانتخابات يتراجع، ففي عام 2005 كانت الإنتخابات تشهدُ الإقبال فيها نسبة 70 % ، وفي انتخابات عام 2010 تشهد نسبة الإقبال 60 % ، وفي عام 2017 تشهد نسبة الاقبال 40% ، وربّما مستقبلا تشهدُ نسبة الإقبال أقلّ، وهذات دليلٌ على أنّ أمريكا فككت بين الشّعب والأحزاب الإسلاميـّة، وهذا هو الانقلاب الهادئ الأبيض والمخملي البارد النّاعم ضدّ الإسلام السّاسي .

وبعد ان اوصلت امريكا للشعب العراقي الشيعي مرحلة القطيعة مع الاحزاب، استغلت حينئذ التقصير المفرط من الاحزاب فحركت الجمهور الشيعي ضدهم؛ لانها وجدت و لاسباب كثيرة، ووفق آليات متعددة قطاعا واسعا من الشعب الناقم على حكومته يمكن أن يكون جزء من مشروعها لتغيير العملية السياسية، وبيننا الايام ونري وترون. انتهى