أنف التاريخ المعوج..كليلة ودمنة السومرية؛ فارسية أم هندية؟
علي عنبر السعدي ||
في حلقة تلفزيونية صاخبة ،دارت بين إستاذين جامعيين ، حول كتاب كليلة ودمنة لابن المقفع ،وهل هو من الهندية أم الفارسية ؟ يؤكد أحدهما بشكل قاطع إنها فارسية ،فيعارضه الآخر بالقطع نفسه انها هندية .
في تفنيد لماهو شائع ،لنبدأ من العنوان (كليلة ودمنة ) فالكليل بمعنى الضعيف أو المريض وكليل النظر ضعيفه ،وهو الإسم الذي أطلق على الثعلب الأكبر (كليلة) الذي يظهر بكونه ضعيف مريض فعلاً ، أما (دمنة ) فمن الدمن ،منبت السوء مكان تراكم البقايا المتعفنة ، الكره والضغينة (*)وهي صفة الثعلب (دمنة ) وبالتالي فالإسمان مشتقان من العربية .
أما بطلا الكتاب (دبشليم الملك وبيديا الفيلسوف ) فالأول مشتق من (شيليم ) السومرية وتعني السلام ، أما بيديا فمن السومرية كذلك وهي ( إيدبا – الأدب – بيت الألواح – المدرسة ) وعليه فالأسمان بمعنى ( في أدب السلام (1) مما بات معروفاً إن جميع الأقوام التي جاورت أو عاصرت حضارة وادي الرافدين ( كالعيلاميين والفرس والفراعنة وسواهم ) قد تأثروا بما أنتجه السومريون والبابليون من فنون وآداب وحكم وأمثال وسواها ، وان الفرس حين أسقطوا بابل في القرن السادس قبل الميلاد ، كتبوا جميع مدوناتهم باللغتين السومرية والفارسية أولاً، ما ساعد لاحقا على ترجمة السومرية و قراءتها . اما محتوى القصص على ألسنة الحيوانات التي تحوي حكماً ومواعظ لملوك الرافدين ، الذين اشتهروا بجبروتهم الى جانب إنجازاتهم ،فمن أهم الأبواب في السومرية مقابل كليلة ودمنة : أ- باب الأسد والحصان السومرية – باب الأسد والثورفي كليلة ودمنة ب- باب القرد وأمه السومرية – باب القرد والغيلم في كليلة ودمنة ت- البعوضة والفيل . ث- الكاهن والأسد – الخ ( للمزيد – راجع : مقدمة في أدب العراق القديم ) طه باقر – ص224 / 227) .
عبقرية ابن المقفع ،جعلته يضع مقدمة عن طبيب فارسي (برزويه) يذهب الى الهند لاستنساخ آدابها ،وقد جاء بهذه الحكايات العجيبة ،وبهذه المقدمة نجح ابن المقفع فعلاً في إخفاء جذورها الرافدينية ، ولم يكلف باحث نفسه في تتبع الحقيقية لهذه الأدب الرفيع ،حتى بعد ظهور المكتشفات الأثرية لوادي الرافدين ، ومن دون أن يرى أحد ان التسميات ذاتها ،لاوجود لها في الهندية والفارسية ،فلا ايدبا ودبشليم هندية ،ولا كليلة ودمنة فارسية . وهكذا توزع الإرث الرافديني بين مرويات مقدسة نسبت للتوارتيين ، وآداب عظيمة نسبت لفارس أو الهند أو شعوب أخرى .
(*) من حديث للرسول (ص) أياكم وخضراء الدمن – قيل وماهي يارسول الله ؟قال : الحسناء في منبت السوء . (1) (دا) و(ب)- تستخدمان في العراق للتأكيد ، فيقال ( دا أكَولك – دا اشتغل ) و(حط بالخرج – حطها بالصندوق ) وبالتالي بيديا تعني (في الأدب ) . (2) سنشرح عن ذلك تفصيلاً في منشور قادم بعون الله .
ـــــــــــــ




