جذور العنف والإضطراب السياسي في العراق
علي عنبر السعدي ||
إذا كانت مصادر العقل والسلوك في الحضارة الصينية قد اعتمدت على الآباء الثلاثة المؤسسيين ( لاوتسي – كونفشيوس – موتزو ) بدرجة أساس ، ثم البوذية التي جاءتها من الهند لاحقاً ، ومن ثم وجدت انتشارها في الصين لقرب تعاليمها من المصادر أعلاه ، فإن الحضارة العراقية قد اعتمدت بشكل رئيس على مصادر ثلاثة في تنظيم السياسة والعنف والسلوك ( أوركاجينا – اورنمو – حمورابي ) ثم الإسلام لاحقاً .
العنف كان السلوك الأول للإنسان مذ خُلق وحيثما كان ،وقد جاءت الروايات أو الصياغات الدينية لتجعل منه حالة متأصلة في الكائن لاسبيل إلى إزاحتها أو القضاء عليها ، لذا انشغلت البشرية في الحدّ من غلوائها أو تنظيمها أو توجيهها باتجاهات محددة ،وقد انقسمت الحضارات بين هذه وتلك ، ففيما اعتمدت الحضارة الصينية على ترويض العنف في الإنسان عن طريق تعاليم فلاسفة اجتماعيين لم يكونوا ملوكاً ولا أدعوا نبوة ، بل سعوا إلى بث روح التعاون والمحبة وتنيظم الحياة من دون تدخل حاسم من قوى عليا ملزمة الخضوع ، اعتمدت الحضارة المصرية على إحادية الطاعة القسرية التي يفرضها المقدس السماوي / الإله ، والملوك / الأرضيين .
حاولت الحضارة العراقية بداية ،أن تخطّ نهج الإنسان في حسن السلوك واحترام الآخرين مع حفظ الحقوق العامة والفردية ،خاصة بعد أن قطع تأسيس الدولة في العراق مراحل طويلة زادت عن ثلاثة عشر قرنا (من 3600ق/م إلى 2355ق/م ) تاريخ وضع أول تشريع مفصّل ) ، لكن تشابك المشكلات وتكاثرها مع توسع المدينة وازدياد عدد السكان ،تطلب نموذجاً آخر للتنظيم بعد عجزت الأساليب السابقة في التصريف المباشر للأمور من قبل الملك ومعاونيه .
كانت قوانين أوركاجينا – حاكم مدينة لكش السومرية – التي ظهرت في (2355ق/م ) أول محاولة لجعل السياسة تخضع لنظم وتشريعات تضبط العمل ضمن بنود واضحة فلا يقع ( اليتامى والفقراء تحت سطوة الأقوياء) حيث عالجت التشريعات المذكورة ، مختلف نواحي الحياة من واجبات الأفراد ومايفترض أن يلتزم به المواطن ضمن الجماعة ، إلى حقوق المرأة والطفل وكبار السنّ وشروط ممارسة المهن وتوزيع الأرض وحفظ الملكية – وسواها من المواد .
ما يلاحظ في قوانين اوركاجينا أنها إبتدأت بالإنسان وانتهت به ولأجله ،ولم يكن للآلهة شأن كبير في حراستها وتطبيقها ، كما لم يُعرف إن ذلك الملك القول بأن ماجاء به من قوانين مصدرها إلهي .
بعد مايزيد عن قرنين من الزمن ، كانت المدن السومرية قد توسعت وتضاعف سكانها وبالتالي تعقدت مستويات العلاقة والحراك في مجتمع قطع أشواطاً طويلة في سلمّ الحضارة والتطور ،ونتيجة لذلك كان لابد من تطوير آخر لقوانين وتشريعات تتلاءم وتلك المرحلة ، تشريعات يتطلب تطبيقها إضافة قوة أخرى إلى ماتفعله الدولة التي لم تعد وحدها كافية لفرض القانون في مجتمع يزداد تنوعاً من جهة ، وتكاثراً وقلقاً من جهة أخرى حيث الفتن الداخلية والغزوات الخارجية وتهديدات المدن السومرية لبعضها البعض .
1221ق/م ،جاء إلى الحكم الملك أور نمّو بعد أن أطاح بسلفه الذي حرر سومر من الغزاة الكوتيين ، ولما كان الوصول إلى الحكم بانقلاب ، يتطلب قوانين من نوع خاصّ ،لذا سنّ أورنمّو الشريعة الأولى المكتملة التي أعلن فيها بأنها من وحى الآلهة ، وكان التوقيت التاريخي ملائماً لقانون كهذا .
الحضارة السومرية التي كانت قد قطعت أكثر من ألف عام منذ ظهورها الأول ، تطورت كذلك معتقداتها الدينية ونظرتها إلى الآلهة ،فلم يعُد آنو أله السماء الرحوم والهادىء ، هو كبير الآلهة المسيطر ، بل نافسه في ذلك إله مخيف يتجلى غضبه في إرسال الصواعق والأمطار والرعود ، إنه إنليل الذي دانت له السيطرة على معتقدات السومريين ، إبّان ذلك ومن خلاله أصبح بالإمكان توظيف الآلهة في حراسة تشريع أكثر تنويعاً وتركيزاً على حياة الإنسان الفرد وعلاقته سواء بالسلطة الحاكمة ، أو بالآخر من المجتمع، لكن ذلك القانون لم يتوجه نحو مجتمعات أو أمم أو شعوب ليقسمها حسب قربها أو اختلافها مع آلهة أور ، بل بدء بذكر ماقدمه الملك ومافعله في سبيل إرضاء الآلهة كي توحي إليه بوضع قانون بمثابة هبة إلهية جراء ماقدّمه الملك الصالح– وتلك أولى محاولة إدخال الدين في السياسة – كذلك ماقام به من منجزات في خدمة المدينة ، وتلك مقدمات لما يمكن اعتباره برنامجاً ” سياسياً ” بالمقاييس الحديثة ، مع فارق أنه تحدث عما تم انجازه فعلاً ، وليس مجرد وعود بما قد ينجز ، وتلك القاعدة الأساس لنجاح القيادة ومقدار صدقيتها .
لقد احتوى قانون أور نمو على القضايا الجوهرية التي تتعلق بالحياة اليومية للناس ، فقد تناولت مواده الأولى تنظيم الأحوال الشخصية من الزواج والطلاق وحقوق المرأة والطفل وماشبه ، ثم الجرائم الجنائية والسرقة وشهادة الزور ومايخصّ ملكية الأرض وحماية المزارع والمعاملات التجارية ، إنه قانون وضع لمجتمع قطع في الحضارة شوطاً طويلاً .
ما يلاحظ في تطور القوانين في بلاد الرافدين ، إنها تأتي مترافقة مع الحالة القائمة أو المتوقع قيامها ، أي إن بمثابة دستور مرن يستجيب للمتغيرات السياسية والمجتمعية على السواء ، فتأتي كلّ من سلسلة ، تنويعاً على التي سبقها وتوسعاً أو تجديداً في بنوده لكن بعد أن يقطع السابق مرحلة زمنية كافية كي يرسخ في المجتمع ويصبح جزءاً من السلوك الإجتماعي والسياسي على السواء ، وهكذا ظهر
قانون إشنونا في مدينة سومرية أخرى بعد ذلك مايقرب من قرنين ، لكنه يشابه ماسبقه في محتوى القضايا التي عالجها أو تطرق إليها .
في العام 1790ق/م ، وضع القانون الأشهر في العالم القديم الذي اتخذته الكثير من الأمم والشعوب المعاصرة واللاحقة ،وهو اول من وضع قاعدة : العين بالعين والسنّ بالسن ، التي ستبنى عليها أديان ومعتقدات وقوانين مازال بعضها سائراً .
شكّلت قوانين حمورابي انموذجاً لما سيعرف لاحقاً ب”دولة القانون” وهو الوصف الذي يمكن إطلاقه على حضارة اشتهرت بميزات ثلاث كانت هي الأوضح والأكثر تأثيراً في تاريخ العراق : القانون – المكتبات – الحروب ، ماقد يفسرّ تلك المتناقضات في السلوكية العراقية ، حيث فرْض القانون يستولد الحكام الطغاة في مجتمع حكمت عليه طبائع الجغرافيا بالتمرد الدائم ، فيما اختراع الكتابة والتدوين ،جعله شغوفاً بالقراءة محباً لاقتناء الكتب وإن كانت مكتوبة من على ألواح الطين بطرف القصب ، فكان ذلك إن الحضارة الرافدينية القديمة ، تركت الألواح الأكثر عدداً في مدوناتها من جميع الحضارات المزامنة لها ، وقد امتد ذلك الى العصر الحديث في مقولة : مصر تكتب ولبنان يطبع والعراق يقرأ .
انتهى العراق السياسي تماماً في القرن السادس الميلادي بعد تعرضه لغزو الفرس بقيادة قورش الذي اجتاحت جيوشه بابل ودمرّتها ،ولم يعد إلى ممارسة السياسة إلا بعد ظهور الإسلام ، وتحديداً بعد أن تسلمّ الإمام علي مقاليد الخلافة ، وقد ابتدأ عهده السياسي الجديد بسلسلة من الفتن والحروب الداخلية والتمرد والثورات ، التي استمرت طوال خلافة الإمام لتتواصل من ثم في العصرين الأموي والعباسي ، مروراً بالعثماني وصولاً إلى العصر الحديث .
جاء الإسلام بقانون عقوبات صارمة بإسم الله حيناً ، وبنصّه حيناً آخر ، وكانت العقوبات تأخذ جانبهم الدنيوي المباشر بتنفيذ الحاكم ، وجانبها الأخروي المؤجل والمنذر به في الآيات القرآنية “سنعذبهم مرتين ثم يردون إلى عذاب عظيم” التوبة 10،وتتراوح مستويات إيقاع العذاب بين العظيم والأليم ” ولهم عذاب أليم ” البقرة 1، أو الشديد ” إن عذابي لشديد ” – إبراهيم 7 ، والعذاب هو الشدّة في العقوبة المصاحبة لإيقاع الأذى الجسدي .
القوانين الرافدينية القديمة ،انما وضعها ملوك لردع الناس عن ارتكاب مايستوجب العقوبة ، ورغم إن بعضها جاءت بوحى من الآلهة كما قال واضعوها، إلا أنها لم تحو إنذارات مباشرة بعقوبة ينزلها الله بمن يستحقها بعد الموت ،ومن ثم اقتصرت على الحياة وحدها ، لذا تركت في المجال أمام الناس للبحث عن تعديلها وتطويرها بما يناسب حاجاتهم في كلّ مرحلة يمرون بها.
الرسالة الإسلامية بماهي دين ودنيا ،أغلقت النصّ على ثباته باعتباره مقدساً ” إنا أنزلنا الذكر وإنا له لحافظون ” لذا اقتصرت المحاولات على التفسير دون الاقتراب من التغيير أو التعديل ،ما أفسح في المجال أمام ظهور اختلافات كبيرة دفعت بدورها إلى تكوين فرقاً ومذاهب شكلت مدخلاً لاقتتال وانشقاقات مازالت تلقي بظلالها على حياة المسلمين ، فالحاكم تمسكّ بالطاعة دون العدل وفقاً للنصّ ” وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم ” ، فيما طالب المجتمع بالعدل مع الطاعة باعتبار” العدل أساس الملك.
على تلك الانشقاقات ومن جرّائها،خرجت السياسة عن مرونتها وقدرتها على التكيف وفق المستجد ،إلى التشدد في تطبيق العقوبات لتتحول إلى قمع سافر ، فيما تحول المجتمع بدوره إلى الرفض ليتواجه الاثنان – الحاكم والمجتمع- في ثنائية طردية : قمع أشدّ – تمرد أعنف .
تراكمت تلك المصادر وماجاءت به عبر قرون ، لتصبح من ثم جزءاً رئيساً من سلوكية مجتمعية وذهنية سياسية معاً ، فالمجتمع بقي على اعتقاده بأنه ملزم بإطاعة قوانين ليست من صنعه ، وبالتالي قد لاتستجيب لمتطلبات حياته ، لكنه في الوقت عينه ملزم كذلك باعتناقها والدفاع عنها باعتبارها جزءاً من إيمانه الديني
، ما يجعله دائم التناقض مع نفسه أولاً ومجتمعه ثانياً ، بين الاستجابة لنوازع نفسه والانقياد لمصالحه الحياتية ، وبين مايفرضه الدين أو يطالب بفرضه ، لذا كثرت الاجتهادات في إيجاد مايجعل مخالفة النصّ ممكنة , ماقاد بنتيجته إلى مقولة :هناك أسلام وليس هناك مسلمون ،ومما زاد في تفاقم المسألة ، إن الصراع لم يقتصر على نصّ مقدس واناس مذنبين ، ولا على حاكم جائر ومجتمع ثائر ، بل اتخذ وجهة أكثر خطورة في صراع المجتمعات على امتلاك حقيقة النصّ المقدس ذاته ، ومن هو الأحقّ لاكتساب شرعيته وبالتالي تفضيله من الله دلالة على صلاحه وتقواه ، ولما كانت دعاوى
كهذه ، تمثل في جوهرها مقتلاً للسياسة التي هي من صناعة العقل ، عكس الإيمان الديني الذي يصنعه الموروث الاجتماعي والمتراكم التاريخي والتشكلّ النفسي ، ما ينتج عاطفة شديدة الحساسية تجاه كلّ مايمسّ تلك الثوابت المقدسة لاعتبارها مساساً بشخصه ومجتمعه العقيدي ، لذا لاتعود السياسة نظاماً لادارة المجتمع ، بل وسيلة للدفاع عن المعتقد الذي يتيح استخدام كافة السبل من أجل دحر الخصوم وإثبات العقيدة .
على هذه الاعتبارات ، يصبح العنف ثواباً مأجوراً ومباركاً ،والسياسية مصدراً للحصول على الثروة والنفوذ تحت سقف عنف قانوني تمارسه الدولة ، أو عنف مضادّ للدولة ، ليكون الضحايا في الحالتين ، هم عموم الناس الذين تدعي حمايتهم أو الدفاع عنهم كلّ من الدولة ومناهضوها .
تلك هي الحلقات التي تمسك بالعراق وتعيده من ثم إلى ” هندسة ” الدوائر العنفية بكلّ أشكالها ، ولايبدو من سبيل لتلمس الخروج منها إلا بتحويل الموروث إلى تراث ، والفارق عن التراث نقرأه بموضوعية علمية لنرى مافيه من أبعاد وسياقات جعلته تراثاً يكون في الغالب موضع فخر بدلالته على عمق التحضر في هذا الشعب أو ذاك ،أما الموروث ، فهو ذلك المزيج من المتخيل المبجل والواقعي المحير الذي نستحضره بغرائزنا ونعتنقه بعواطفنا وماتراكم في النفوس من ثابتات لايمكن زحزحتها بمنطق العقل أو متطلبات الحياة ، وبالتالي غير قابلة للنظر في مدى صوابيتها أو ملائمتها للسياسة بما هي علم يشغله فن الإبداع .
ـــــــــــ




