السبت - 07 نوفمبر 2026

بين رحمة الله وشدّة عقابه… أيّهما تغلب الأخرى في ميزان الخالق؟ مقالة دينية فلسفية..!

منذ دقيقتان
السبت - 07 نوفمبر 2026

 أمين السكافي ||

 

 

ثمة سؤال يرافق الإنسان منذ أن بدأ يتأمل علاقته بخالقه: كيف يجتمع في الذات الإلهية وصف الرحمة المطلقة، ووصف العقاب الشديد؟ وكيف نفهم إلهاً يقول في كتابه الكريم: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾، ويقول في موضع آخر: ﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ﴾؟ وهل نحن أمام صفتين متساويتين في الحضور والأثر، أم أن الرحمة هي الأصل الذي تتفرع عنه سائر المعاني، فيما يأتي العقاب نتيجة لاختيار الإنسان وموقفه من الحق؟
إنه ليس سؤالاً عن الخوف والرجاء فحسب، بل عن طبيعة العلاقة بين الخالق والمخلوق، وعن معنى أن يكون الإنسان عبداً لربٍّ يعلم ضعفه، ويعرف تقلباته، ولا تخفى عليه خطيئته، ومع ذلك يفتح أمامه أبواب العودة إليه.
فالإنسان، مهما بلغ من القوة والمعرفة، يبقى كائناً محدوداً، يخطئ حيناً، ويصيب حيناً، وتغلبه شهوته أحياناً، ويستيقظ ضميره أحياناً أخرى. ومن هنا تبدأ حاجته إلى الرحمة، لا باعتبارها امتيازاً يمنحه الله للأقوياء والصالحين وحدهم، بل باعتبارها باباً مفتوحاً أمام كل من أدرك ضعفه وأراد الرجوع.
الرحمة التي كتبها الله على نفسه
لعل أكثر ما يستوقفنا في القرآن الكريم أن الله سبحانه لم يكتفِ بوصف نفسه بأنه رحيم، بل قال: ﴿كَتَبَ عَلَىٰ نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ (الأنعام: 12). وهذه العبارة تحمل معنى عميقاً في العلاقة بين الله وعباده؛ فالطبري، في تفسيره لهذه الآية، يذهب إلى أن الله قضى أن يكون رحيماً بعباده، فلا يعاجلهم بالعقوبة، ويقبل منهم الإنابة والتوبة. وكأن الآية تقول للإنسان إن باب العودة لم يُغلق، وإن تأخر العقاب ليس غفلة عن الذنب، بل فسحة يمنحها الخالق لمخلوقه كي يستعيد طريقه إليه.
ثم تأتي الآية الأكثر اتساعاً في التعبير عن هذه الحقيقة: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ (الأعراف: 156). وهي آية تستحق التأمل؛ إذ لم تقل إن الرحمة وسعت المؤمنين أو الصالحين فقط، بل قالت كل شيء. وقد تناول الطبري هذه المسألة، فنقل أقوالاً متعددة، منها أن الرحمة تشمل الخلق في الدنيا، المؤمن منهم وغير المؤمن، وأن الرحمة الخاصة التي تكون في الآخرة لها شروطها المرتبطة بالتقوى والإيمان والعمل الصالح.
وهنا نصل إلى فارق بالغ الأهمية: هناك رحمة عامة يتقلب فيها الوجود كله، من رزق وحياة وسترة وفرص ونعم، وهناك رحمة خاصة ترتبط بموقف الإنسان من خالقه وبما يختاره من طريق. فليس معنى سعة الرحمة أن الإنسان يستطيع أن يفعل ما يشاء بلا حساب، وإنما أن الله لم يجعل الخطأ نهاية الطريق، ولا جعل الذنب حكماً أبدياً على صاحبه.
وفي التراث الإمامي، نجد العلامة السيد محمد حسين الطباطبائي، في تفسيره الميزان، يتوقف عند سعة الرحمة الإلهية، ويرى أن الرحمة الإلهية تقتضي في أصلها كراهية إيقاع الشر والضرر بالعباد، حتى مع وجود الظلم منهم، إلا حيث تقتضي العدالة أو مصلحة ملزمة غير ذلك. وهذا فهم يلتقي في جوهره مع ما نجده عند عدد من كبار مفسري أهل السنة: الرحمة ليست نقيض العدالة، بل هي الأصل الذي لا يلغي مقتضياتها.
العقاب… عدالة أم انتقام؟
لكن ماذا عن الوجه الآخر؟ ماذا عن قوله تعالى: ﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ﴾، وقوله: ﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ۝ وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ﴾ (الحجر: 49-50)؟
هنا يضعنا القرآن أمام حقيقتين لا يجوز إلغاء إحداهما لحساب الأخرى. فالله غفور رحيم، لكنه أيضاً عادل، ولا يستوي عنده الظالم والمظلوم، ولا المعتدي والمعتدى عليه، ولا من يسعى في إصلاح الأرض ومن يسعى في إفسادها.
ولو كانت الرحمة تعني إسقاط الحساب في كل الأحوال، فما معنى العدل الإلهي؟ وما مصير المظلوم الذي عاش حياته مقهوراً، ولم يجد في الدنيا من ينصفه؟ أليس من مقتضى الرحمة بالمظلوم أن يكون هناك حساب للظالم؟ إن العفو عن المعتدي من دون اعتبار لحق المعتدى عليه لا يكون رحمة مكتملة، بل قد يتحول إلى ظلم جديد.
ومن هنا نفهم أن العقاب الإلهي ليس انتقاماً بالمعنى البشري، ولا غضباً ناتجاً عن انفعال أو عجز، وإنما هو من مقتضيات العدل والحكمة، وأن الوعيد القرآني ليس دعوة إلى اليأس، بل تحذير من الاستهانة بالحق وبحقوق الآخرين.
وهذا ما يجعل الجمع بين الخوف والرجاء ضرورة في حياة المؤمن؛ فلا يطمئن إلى رحمة الله اطمئناناً يدفعه إلى الاستهتار، ولا يخاف عقابه خوفاً يقطع عنه الأمل في المغفرة.
ماذا يقول الرسول عن ميزان الرحمة والعقاب؟
إذا أردنا أن نبحث عن إجابة نبوية مباشرة عن السؤال: أي الصفتين تغلب الأخرى؟ فإننا نجد حديثاً قدسياً بالغ الدلالة، رواه البخاري ومسلم، يقول فيه الله سبحانه: «إن رحمتي سبقت غضبي».

ولنتأمل كلمة «سبقت»؛ فهي ليست مجرد إشارة إلى أن الرحمة تأتي قبل الغضب زمنياً، وإنما تحمل معنى السبق في المنزلة والأصل. وقد استشهد الطبري بهذا الحديث عند تفسير آية ﴿كَتَبَ عَلَىٰ نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾.
وفي حديث آخر صحيح، في صحيح البخاري، يقول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إن الله جعل الرحمة مائة جزء، فأمسك عنده تسعة وتسعين جزءاً، وأنزل إلى الأرض جزءاً واحداً، فمن ذلك الجزء تتراحم الخلائق، حتى إن الدابة ترفع حافرها عن ولدها خشية أن تصيبه.
تأملوا هذه الصورة النبوية: كل ما نراه من حنان الأم، وعطف الأب، ورحمة الإنسان بالضعيف، وشفقة الحيوان على صغيره، ليس إلا جزءاً واحداً من مائة جزء من الرحمة. فكيف تكون إذن الرحمة التي احتفظ الله بها عنده؟ وأي أفق ينتظر الإنسان إذا كان ما عرفه من الرحمة في حياته لا يمثل إلا جزءاً ضئيلاً من سعتها؟
وفي رواية أخرى في صحيح البخاري، يضيف النبي صلى الله عليه وسلم معنى بالغ الأهمية، إذ يبين أن معرفة الإنسان بسعة رحمة الله تمنع غير المؤمن من اليأس من دخول الجنة، وأن معرفته بشدة عقابه تمنع المؤمن من الشعور بالأمان المطلق من النار. وهكذا يضع الرسول الإنسان بين جناحين: الرجاء الذي يمنعه من القنوط، والخوف الذي يمنعه من الغرور.
وفي التراث الشيعي أيضاً، تتجلى هذه الفكرة في الأدعية المأثورة عن أهل البيت، ولا سيما أدعية الإمام زين العابدين في الصحيفة السجادية، حيث تتكرر مناجاة الله بأسمائه الرحيمة، والاعتراف بالتقصير، والعودة إليه مع اليقين بأن فضله أوسع من ذنوب عباده. إنها مدرسة تربوية تجعل الاعتراف بالخطأ بداية للإصلاح، لا ذريعة للاستسلام واليأس.
فأيهما تغلب الأخرى؟
بعد استعراض النصوص القرآنية والأحاديث الصحيحة، وما قرره مفسرو السنة والشيعة، أعتقد أن النتيجة التي يمكن الوصول إليها هي أن الرحمة ليست مساوية للغضب في السبق والسعة، بل هي أسبق وأوسع، بينما العقاب مرتبط بمقتضيات العدل و الحكمة الإلهية.
لكن ينبغي ألا نفهم غلبة الرحمة باعتبارها إلغاءً للعقاب، أو ضماناً للنجاة مهما فعل الإنسان. فالقرآن نفسه يربط الرحمة الخاصة بالتقوى والإيمان والعمل الصالح، ويؤكد أن حقوق العباد لا تضيع، وأن الظلم ليس أمراً يمكن تجاوزه بمجرد ادعاء التوبة من دون رد الحقوق أو طلب المسامحة حيث تكون ممكنة.
وهنا تكمن فلسفة العلاقة بين الرب وعبده: الله لا يطلب من الإنسان أن يكون ملاكاً لا يخطئ، وإنما يطلب منه ألا يجعل من خطئه إقامة دائمة، وألا يحوّل ضعفه إلى حجة للاستمرار في المعصية. فهناك فرق بين إنسان أخطأ ثم ندم، وإنسان جعل من الخطأ منهجاً، وبين من سقط ثم حاول النهوض، ومن أصر على البقاء في سقوطه.
ولعل أجمل ما يمكن أن نختم به هذه الرحلة هو قوله تعالى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ (الزمر: 53).
لم يقل يا أيها الصالحون، ولا يا أيها الذين لم يخطئوا، بل قال: «يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم». وكأن النداء الإلهي يتجه تحديداً إلى أولئك الذين ابتعدوا، وأثقلتهم الذنوب، وضاقت بهم أنفسهم، ليقول لهم إن الطريق لم ينتهِ بعد.

إن الله لا يريد من عبده أن يعيش أسير الخوف منه، ولا أن يتعامل مع رحمته باعتبارها رخصة للمعصية، وإنما يريد إنساناً يعرف أن له رباً عادلاً لا يظلم، ورحيماً لا يغلق أبوابه في وجه التائبين.
فالخوف يحرس الإنسان من التمادي، والرجاء ينقذه من اليأس، أما الرحمة فهي المساحة الكبرى التي يتحرك فيها الاثنان.
ولعل الخلاصة الأعمق أن الإنسان لا ينبغي أن يسأل فقط: هل سيعاقبني الله على ما فعلت؟ بل عليه أن يسأل أيضاً: ماذا فعلت أنا بكل هذه الرحمة التي أحاطت بي، وكم مرة أتاح لي ربي فرصة العودة فأدرت له ظهري؟
ففي النهاية، ليست عظمة الإنسان في أنه لم يخطئ قط، بل في أنه كلما ابتعد عرف طريق العودة، وكلما أظلم قلبه بحث عن النور، وكلما أثقلته خطاياه لم يفقد إيمانه بأن رحمة الله أوسع منها جميعاً. وهنا تكمن فلسفة العلاقة بين الرب وعبده: الله لا يطلب من الإنسان أن يكون ملاكاً لا يخطئ، وإنما يطلب منه ألا يجعل من خطئه إقامة دائمة، وألا يحوّل ضعفه إلى حجة للاستمرار في المعصية. فهناك فرق بين إنسان أخطأ ثم ندم، وإنسان جعل من الخطأ منهجاً، وبين من سقط ثم حاول النهوض، ومن أصر على البقاء في سقوطه.
ولعل أجمل ما يمكن أن نختم به هذه الرحلة هو قوله تعالى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ (الزمر: 53). فالخوف يحرس الإنسان من التمادي، والرجاء ينقذه من اليأس، أما الرحمة فهي المساحة الكبرى التي يتحرك فيها الاثنان.
ولعل الخلاصة الأعمق أن الإنسان لا ينبغي أن يسأل فقط: هل سيعاقبني الله على ما فعلت؟ بل عليه أن يسأل أيضاً: ماذا فعلت أنا بكل هذه الرحمة التي أحاطت بي، وكم مرة أتاح لي ربي فرصة العودة فأدرت له ظهري؟
ففي النهاية، ليست عظمة الإنسان في أنه لم يخطئ قط، بل في أنه كلما ابتعد عرف طريق العودة، وكلما أظلم قلبه بحث عن النور، وكلما أثقلته خطاياه لم يفقد إيمانه بأن رحمة الله أوسع منها جميعاً.