الحرب على طهران وبغداد هل هي حرب عسكرية ام حرب دينية تلمودية انجيلية (حرب هرمجون النقدية)؟!
الكاتب والباحث الاكاديمي صلاح الاركوازي ||

ان تكرار بوش الابن لكلمة للحرب الدينية أو الصليبية 3 مرات لم يكن خطأ في الترجمة كما تم التسويق له ، لا بل على العكس فالشحص كان يعينة ومن اعمق معانيه ودلالاته ، وما يحدث اليوم لهو خير دليل على هذه الحرب الصليبية .
تختلف نظرة المدرسة الإمامية الشيعية لمعركة “هرمجدون” عن الطرح البروتستانتي الغربي، حيث لا يعتمد الفكر الشيعي هذا المصطلح ببُعده الجغرافي أو العقدي النصراني، بل يربط المفهوم بالمعارك والملاحم الممهدة لظهور الإمام المهدي (عج).
أبرز النقاط التي تفسر التعاطي الشيعي مع هذا المفهوم:
1 – غياب المصطلح نصياً: لا يوجد ذكر لمصطلح “هرمجدون” في المصادر الحديثية الشيعية المعتمدة (كـ بحار الأنوار أو كتاب الغيبة)، وإنما يُستخدم المصطلح أحياناً في الأدبيات المعاصرة كتقريب للمفهوم عند مخاطبة الفكر الغربي.
2 – المعادل الروائي (الملاحم والصيحة): البديل العقدي والمعرفي لهرمجدون في التراث الشيعي هو “معارك آخر الزمان” التي ترتبط بالظهور، وأبرزها مواجهة السفياني، وحرب استعادة القدس، والملاحم التي تسبق وترافق قيام دولة العدل الإلهي.
3 – جغرافية الأحداث: بينما يركز المفهوم الغربي/الصهيوني المسيحي على تل “مجدو” في فلسطين كمسرح أساسي للمعركة، تركز الروايات الشيعية على رقعة أوسع تشمل الشام (دابق/الرملة)، العراق (الكوفة)، والحجاز (مكة والمدينة).
4 – القراءة السياسية المعاصرة: ينظر العديد من المحللين رجال الدين الشيعة المعاصرين إلى الترويج الغربي لمفهوم “هرمجدون” باعتباره عقيدة سياسية تُستخدم لشرعنة الحروب الاستباقية في الشرق الأوسط بدوافع غيبية.
إن التوتر والصراع المحتدم حول طهران وبغداد لا ينفصل عن تقاطع معقد بين الأبعاد العسكرية الجيوسياسية والصراعات العقائدية ذات التفسيرات اللاهوتية المتطرفة.
الأبعاد العسكرية والجيوسياسية التقليدية
تخوض القوى الإقليمية والدولية صراعات نفوذ واستراتيجيات أمنية واضحة في المنطقة، وتتجلى هذه الأبعاد في الآتي:
1 – الهيمنة على الممرات الاستراتيجية: تمثل بغداد وطهران عمقاً جغرافياً وممراتي ربط رئيسيين لطرق التجارة والطاقة العالمية، مما يجعلهما هدفاً للسيطرة أو الاحتواء العسكري.
2 – سباق النفوذ والأمن القومي: تسعى القوى الكبرى والإسرائيلية إلى تحييد التهديدات الصاروخية والنووية عبر استراتيجيات الردع، والحروب السيبرانية، والضربات العسكرية المباشرة وغير المباشرة.
البعد اللاهوتي والعقائدي (الرؤى التلمودية والإنجيلية المتطرفة)
يغذي الخطابَ السياسي والعسكري أحياناً تياراتٌ عقدية تؤمن بـ “نهاية العالم” وحروب الأواخر:
3 – الصهيونية المسيحية (الإنجيلية المتطرفة): يؤمن الملايين من المسيحيين الإنجيليين (خاصة في الغرب) بضرورة قيام حروب كبرى في الشرق الأوسط تعجل بـ “العودة الثانية” للمسيح، وغالباً ما يُنظر إلى العراق وإيران (بابل وفارس التاريخيتين) كمسارح رئيسية لتلك النبوءات.
4 – التفسيرات التلمودية المتطرفة: تستحضر بعض التيارات السياسية والدينية المتطرفة نصوصاً توراتية وتلمودية لتبرير التوسع أو الصدام، رابطةً مصير المنطقة بصراع وجودي بين قوى الخير والشر المزعومة.
الاقتصاد السياسي و”حرب هرمجدون النقدية”
يرتبط التصعيد غالباً بصراعات المال والنظام المالي العالمي:
1 – حرب النفط والدولار: تمثل طهران وبغداد عصبًا رئيسيًا في إنتاج الطاقة، والمساس باستقرارهما يؤثر بشكل مباشر على منظومة البترودولار والأسواق المالية العالمية.
2 – إعادة هندسة الاقتصاد الإقليمي: تهدف الصراعات إلى كسر التكتلات الاقتصادية المنافسة للنظام المالي الغربي، وتحويل المنطقة إلى أسواق استهلاكية تابعة ومنزوعة القدرة على التنمية الذاتية.
الحرب على بغداد وطهران تمثل تقاطعاً معقداً بين الجيوسياسة العسكرية، والصراع النقدي العالمي، والمحركات اللاهوتية التلمودية والإنجيلية. لتوضيح الأبعاد العميقة لهذا الصراع (“حرب هرمجدون النقدية”)، يمكن تفصيل المشهد عبر المحاور الآتية:
البعد الجيوسياسي والعسكري (الاحتواء والردع المتقاطع): تسعى القوى الكبرى وإسرائيل إلى تفكيك أو تحييد البنى الاستراتيجية والصاروخية في العراق وإيران لضمان التفوق المطلق، حيث تُعتبر بغداد حلقة الوصل الجغرافية الموصلة لطهران، مما يجعل السيطرة عليهما أو استنزافهما مفتاحاً للسيطرة على الهلال الإقليمي.
البعد اللاهوت-عقائدي (الهرطقات التلمودية والإنجيلية): يتغذى جزء من هذا الصراع على نبوءات “نهاية العالم” المزعومة في الأدبيات التلمودية المسيحية المتطرفة (الإنجيلية الصهيونية)، والتي تسعى لافتعال حروب كبرى في أرض بابل وفارس القديمة للتعجيل بوقوع ما يُعتقد أنه معركة “هرمجدون” الكونية.
الاقتصاد السياسي والنقدي (حرب العملات والديون): تتجاوز المعركة حدود البنادق لتستهدف النظام المالي المستقل، حيث يُنظر إلى محاولات التحرر من الهيمنة النقدية الغربية (مثل التخلي عن الدولار أو إنشاء أنظمة دفع بديلة) على أنها تهديد وجودي للنظام المالي العالمي القائم على البترودولار، مما يفسر حدة العقوبات والحروب الاقتصادية والنقدية الموجهة ضد العاصمتين.
خلاصة: إن ما يجري في طهران وبغداد هو تفاعل مركب؛ تُستخدم فيه العسكرة والأدوات الاقتصادية والنقدية كأدوات تنفيذية، بينما تُستغل الخطابات اللاهوتية والتلمودية والإنجيلية لتعبئة الجماهير وتبرير الصراعات بمنظور ميتافيزيقي قطبي.




