الجمعة - 06 نوفمبر 2026

من التضحية إلى بناء الدولة.. الشهيد القائد فائق الخزعلي ورسالة العطاء للأجيال..!

منذ 3 ساعات
الجمعة - 06 نوفمبر 2026

بقلم / أحمد فيصل العسكري ||

 

 

 

لا تُقاس قيمة التضحيات بما يُقدَّم في لحظات المواجهة وحدها، بل بما تتركه من أثر في مسيرة الوطن بعد انقضاء تلك اللحظات، فالشهادة، بما تمثله من ذروة البذل والتضحية، لا ينبغي أن تبقى محصورة في حدود الذاكرة واستحضار المواقف، وإنما تكتسب معناها الأعمق حين تتحول إلى قيمة حية تسهم في بناء الإنسان، وتعزيز مؤسسات الدولة، وترسيخ ثقافة المسؤولية والعطاء لدى الأجيال، ومن هذا المنطلق يأتي استذكار الشهيد القائد فائق هادي سيد الخزعلي، بوصفه استحضاراً لمعنى التضحية وفرصة للتأمل في كيفية تحويل إرث الشهداء إلى مشروع بناء يتجاوز حدود المناسبات والفعاليات الرمزية.

لقد ارتبطت سيرة الشهيد القائد فائق الخزعلي بمرحلة وطنية وأمنية بالغة الأهمية من تاريخ العراق، شهدت تحديات مصيرية تطلبت مواقف استثنائية وتضحيات كبيرة في سبيل حماية الأرض والمقدسات، وفي مثل هذه المحطات لا تكون التضحية مجرد موقف عابر، بل تعبيراً عن مسؤولية تجاه الوطن والمجتمع، وعن إيمان بقيم تستحق أن يُبذل من أجلها الغالي والنفيس، الأمر الذي يجعل استذكار الشهداء مسؤولية تتجاوز الجانب العاطفي إلى ضرورة صيانة معاني التضحية وتحويلها إلى ثقافة عمل وبناء.

إن الوفاء الحقيقي للشهداء لا يكتمل بمجرد استذكار أسمائهم أو إقامة الفعاليات التي تحملها، وإنما يتجسد في تحويل ذكراهم إلى مبادرات ذات مضمون مستدام، تلامس حياة الناس وتترك أثراً إيجابياً في المجتمع، وقد تجلى هذا التوجه في إقامة «بطولة الشهيد فائق الخزعلي» عام 2017 للناشئين والناشئات في رياضة التايكواندو، بالتعاون بين المجلس التنفيذي للحركة ودائرة شؤون الأقاليم والمحافظات، وهي مبادرة تجاوزت الجانب الرمزي للتكريم نحو رعاية الطاقات الشابة وتشجيع الرياضة بوصفها مساحة للتربية والانضباط وبناء الشخصية، بما يعكس إمكانية تحويل الذكرى إلى نشاط مجتمعي يخدم الأجيال الجديدة.

وتتعمق هذه الدلالة مع إطلاق اسم الشهيد على إعدادية مهنية، إذ إن هذه الخطوة لا تقتصر على تخليد الاسم في واجهة مؤسسة تعليمية، بل تحمل أبعاداً تربوية وتنموية ترتبط بمستقبل المجتمع والدولة، فالتعليم المهني يمثل أحد المسارات المهمة في إعداد الكفاءات الفنية والتقنية، وتأهيل الشباب للاندماج في سوق العمل والمساهمة في الإنتاج، كما يشكل حلقة أساسية في بناء اقتصاد وطني يمتلك مقومات التطور والاستقلال في قدراته البشرية والإنتاجية، ومن هنا تبرز قيمة الربط بين التضحية التي تستهدف حماية الوطن، والعمل الذي يستهدف بناءه وتطوير مؤسساته.

فالدولة لا تُبنى بالتضحيات وحدها، على أهميتها ومكانتها، وإنما تحتاج إلى إنسان متعلم يمتلك المعرفة والمهارة، ومؤسسات فاعلة تؤدي مسؤولياتها بكفاءة، وبيئة تعليمية قادرة على تحويل الطاقات الشابة إلى قوة منتجة، وإذا كانت حماية الوطن مسؤولية تتطلب الشجاعة والاستعداد للتضحية، فإن بناءه يتطلب العلم والعمل والإبداع والإخلاص في أداء الواجب، وهذه المعادلة ينبغي أن تكون حاضرة في فلسفة تخليد الشهداء، بحيث لا تظل أسماؤهم حبيسة الذاكرة، بل تتحول إلى حافز لإعداد أجيال قادرة على تحمل مسؤولية المستقبل.

ومن المهم ألا تتوقف مبادرة تسمية الإعدادية المهنية عند حدود التكريم المعنوي، بل أن تترافق مع رؤية مؤسسية واضحة تتضمن دعم البيئة التعليمية، وتطوير الورش والمختبرات المهنية، وتوفير مستلزمات التدريب، وتعزيز الشراكة مع المؤسسات الإنتاجية والقطاع الخاص، بما يتيح للطلبة فرصاً حقيقية للتأهيل واكتساب الخبرة والانتقال إلى سوق العمل، وعندها يصبح اسم الشهيد حاضراً في تجربة تعليمية منتجة، ويسهم في ربط الذاكرة الوطنية بمشروع تنموي ملموس، يجعل من المؤسسة التعليمية مساحة لصناعة الكفاءات وخدمة المجتمع وتعزيز قدرات الدولة.

كما أن صيانة الذاكرة التاريخية تستلزم عملاً توثيقياً مسؤولاً يقوم على جمع الشهادات والوثائق والصور، وتسجيل روايات من عاصروا الشهيد وعرفوا مواقفه، وتقديم سيرته للأجيال وفق منهج يستند إلى الدقة والأمانة والموضوعية، فالتوثيق الرصين هو الذي يحفظ الوقائع من النسيان، ويمنح الأجيال فرصة التعرف إلى الشخصيات الوطنية من خلال مواقفها وأعمالها، بعيداً عن المبالغة أو المعالجة العاطفية العابرة، لأن قيمة السيرة الحقيقية تكمن في قدرتها على إلهام الآخرين وترسيخ القيم التي تستحق أن تنتقل من جيل إلى آخر.

إن تخليد الشهيد القائد فائق هادي سيد الخزعلي لا ينبغي أن يُختزل في مناسبة أو فعالية أو مؤسسة تحمل اسمه، بل ينبغي أن يكون جزءاً من رؤية أوسع ترى في التضحية مسؤولية متواصلة، وفي التعليم والعمل والإنتاج ركائز أساسية لبناء الإنسان والدولة، فالأوطان التي تحفظ تضحيات أبنائها هي الأوطان التي تحسن توظيف دروس تاريخها في صناعة مستقبلها، وتجعل من الوفاء قيمة عملية تنعكس على مؤسساتها ومجتمعها ومسيرة أجيالها.

فالأسماء التي تستحق البقاء في الذاكرة ليست تلك التي تظل معلقة على الجدران فحسب، بل التي تتحول إلى قيم ومشاريع وآثار ملموسة في حياة الناس، ومن هنا فإن أسمى صور الوفاء للشهيد أن تتحول ذكراه إلى رسالة بناء، وأن يكون اسمه حافزاً لصناعة الإنسان القادر على خدمة وطنه، والمساهمة في بناء مؤسساته، والمضي بالدولة نحو مستقبل أكثر استقراراً وتقدماً، لتبقى رسالة العطاء ممتدة من جيل إلى جيل.