الجمعة - 06 نوفمبر 2026

البقاء مع ترامب ضياع للمستقبل.. بوصلة المواقف..!

منذ 3 ساعات
الجمعة - 06 نوفمبر 2026

جليل هاشم البكاء ||

 

 

 

عامان متبقيان في البيت الأبيض.. فهل يبدد ترامب مستقبل الحزب الجمهوري ويورّط أمريكا في مواجهة مفتوحة مع إيران؟

لم تعد الأزمة التي تواجه دونالد ترامب مجرد تراجع في شعبيته أو خسارة انتخابية عابرة، بل أصبحت أزمة سياسية تتجاوز شخص الرئيس إلى مستقبل الحزب الجمهوري، ومكانة الولايات المتحدة، وطبيعة علاقاتها الدولية. فنتائج انتخابات التجديد النصفي الأخيرة لم تكن مجرد تبدل في موازين المقاعد، بل كشفت عن حجم الاعتراض الشعبي على مسار الإدارة، خصوصاً بعد الحرب مع إيران وما رافقها من ارتفاع في تكاليف المعيشة والطاقة وتزايد الضغوط الاقتصادية.

لقد خسر الجمهوريون السيطرة على مجلسي الكونغرس، في تحول انتخابي كبير يضع إدارة ترامب أمام واقع سياسي مختلف تماماً خلال العامين المتبقيين من ولايته. ولم يعد الرئيس يمتلك المساحة السياسية نفسها لتمرير أجندته، بل أصبح مضطراً إلى التعامل مع كونغرس تسيطر عليه المعارضة الديمقراطية، بما يحمله ذلك من رقابة وتحقيقات ومواجهات تشريعية قد تجعل بقية ولايته أكثر تعقيداً.

لكن المفارقة أن الخطر الأكبر على مستقبل الجمهوريين لا يكمن بالضرورة في هذه الهزيمة وحدها، وإنما في إصرار ترامب على مواصلة النهج نفسه الذي ساهم في إنتاجها.

فترامب أمام خيارين لا ثالث لهما تقريباً: مراجعة مسار الحرب والبحث عن تسوية سياسية، أو الذهاب نحو مزيد من التصعيد مع إيران، بما يحمله ذلك من تبعات تتجاوز حدود المواجهة العسكرية.

فالاستمرار في الحرب لا يعني فقط استمرار استنزاف الموارد المالية والعسكرية، وإنما يعني إبقاء الاقتصاد الأمريكي تحت ضغط اضطرابات الطاقة والأسواق، وتحميل المواطن الأمريكي أعباء إضافية نتيجة صراع لم يعد واضحاً ما إذا كانت نتائجه تتناسب مع تكلفته.

والأكثر خطورة أن آثار الحروب لا تنتهي بمجرد توقف العمليات العسكرية. فارتفاع الأسعار، واضطراب سلاسل الإمداد، وتراجع الثقة، وتراكم الالتزامات المالية، والآثار الاجتماعية والسياسية، قد تستمر سنوات طويلة بعد انتهاء المواجهة. ومن هنا فإن الحزب الجمهوري لا يواجه خسارة انتخابية آنية فحسب، بل يواجه احتمال الارتباط السياسي بإرث حرب قد تبقى تداعياتها حاضرة في الذاكرة الأمريكية لسنوات، وربما لعقود.

إن خسارة الانتخابات يمكن تعويضها في دورة انتخابية لاحقة، أما خسارة الثقة نتيجة قرارات استراتيجية مكلفة، فقد تحتاج إلى أجيال سياسية جديدة حتى تتمكن من تجاوز آثارها.

ولعل موقف نائب الرئيس جاي دي فانس يكشف جانباً من هذا المأزق. فعندما يقر بأن الحرب كانت سبباً أساسياً في الهزيمة، ويعترف بأن الناخبين الذين حذروا من نتائجها كانوا محقين، فإنه يضع مسافة سياسية بينه وبين أحد أبرز قرارات الإدارة. وهذا ليس تفصيلاً عابراً، خصوصاً أن فانس يُطرح اسمه ضمن الشخصيات المحتملة لخلافة ترامب في انتخابات 2028.

إنه يدرك أن البقاء في ظل ترامب قد يعني وراثة أزماته قبل أن يعني وراثة قاعدته الانتخابية. فكيف يمكن لشخصية تطمح إلى قيادة الحزب الجمهوري أن تطلب ثقة الناخبين مستقبلاً، وهي مطالبة بالدفاع عن قرارات ساهمت في خسارة الحزب لمجلسي الكونغرس؟

وهنا تتضح المعضلة الجمهورية: الابتعاد عن ترامب قد يثير غضب قاعدته، والبقاء معه قد يجعل مستقبل القيادات الجمهورية رهينة لقراراته. وبين الولاء السياسي والحسابات المستقبلية، تتسع مساحة الانقسام داخل الحزب.

لكن القضية لا تتعلق بمستقبل الجمهوريين وحدهم، فالتصعيد مع إيران لن يكون مكلفاً للحزب الذي يدير البيت الأبيض فحسب، بل قد يتحول إلى أزمة وطنية تؤثر في جميع الأحزاب الأمريكية، لأن الاقتصاد والأمن والطاقة لا تخضع لحدود الانتماء الحزبي. فارتفاع أسعار الوقود لا يميز بين جمهوري وديمقراطي، وتداعيات اضطراب الأسواق لا تستثني ولاية أو ناخباً بسبب توجهه السياسي.

والأخطر أن الذهاب إلى مواجهة أوسع قد يمنح إيران دوافع استراتيجية إضافية لامتلاك القدرات التي تسعى الولايات المتحدة إلى منعها منها. فالدول التي تشعر بأن أمنها مهدد بصورة وجودية قد تعيد حساباتها بشأن وسائل الردع والحماية، وقد ترى في امتلاك قدرات استراتيجية متقدمة ضمانة لمنع تكرار الاعتداءات عليها.

وهنا تكمن إحدى المفارقات الكبرى في منطق التصعيد: أن تتحول الحرب التي تُشن لمنع إيران من امتلاك قدرات معينة إلى عامل يعزز الدوافع الإيرانية للسعي إليها. وبذلك قد تجد واشنطن نفسها أمام مشكلة أكبر من تلك التي أرادت معالجتها، خصوصاً إذا تراجعت فرص التسوية السياسية وتوسعت دائرة المواجهة.

إن منع الانتشار النووي لا يتحقق بالقوة العسكرية وحدها، ولا يمكن ضمانه بمجرد تدمير منشآت أو استهداف قدرات تقنية، إذا كانت الظروف السياسية والأمنية تدفع الطرف المستهدف إلى اعتبار امتلاك الردع ضرورة استراتيجية. فالمواجهة قد تؤخر بعض القدرات، لكنها قد تعمّق في الوقت نفسه الدوافع التي تقف وراء السعي إليها.

أما بالنسبة إلى الدول والأنظمة التي وضعت مستقبلها تحت المظلة الأمريكية، فإن ما يحدث داخل البيت الأبيض ينبغي أن يكون جرس إنذار حقيقياً.

فإذا كان المسؤولون داخل الإدارة الأمريكية يجدون صعوبة في التوفيق بين الولاء لترامب وحسابات مستقبلهم السياسي، وإذا كان نائب الرئيس نفسه يواجه معضلة الابتعاد عن الرئيس دون خسارة قاعدته، فكيف سيكون حال الأنظمة التي جعلت أمنها واستقرارها ومصيرها السياسي مرتبطاً بقرارات شخص واحد في واشنطن؟

إن الرهان على العلاقة الشخصية مع الرئيس الأمريكي لا يوفر ضمانة استراتيجية دائمة. فالإدارات تتغير، والتحالفات تخضع للمراجعة، والمصالح الأمريكية قد تتقدم على مصالح الحلفاء في أي لحظة. والدول التي لا تمتلك رؤية مستقلة لمصالحها وأمنها قد تجد نفسها أمام تحولات لم تستعد لها، وربما تتحمل نتائج قرارات لم تكن طرفاً في اتخاذها.

ومن هنا فإن ما يحدث لا ينبغي أن يُقرأ باعتباره أزمة ترامب وحده، بل باعتباره اختباراً لطبيعة النظام السياسي الأمريكي وقدرته على تصحيح مساراته، واختباراً كذلك للدول التي جعلت مصيرها مرتبطاً بتوجهات البيت الأبيض.

أما استقالة ترامب، وإن لم تكن أمراً تفرضه الهزيمة الانتخابية دستورياً، فقد تتحول إلى موضوع للنقاش إذا تصاعدت الضغوط السياسية داخل حزبه، لكن السؤال الأكثر أهمية هو لماذا يضطر الحزب الجمهوري إلى التفكير في مستقبله بعيداً عن رئيسه بينما لا يزال في السلطة؟

ترامب لا يزال أمامه عامان، وهما مدة كافية لاتخاذ قرارات قد تغير مسار المنطقة والعالم، لكنها أيضاً مدة كافية لتعميق الأزمات إذا استمر في التعامل مع الحرب باعتبارها معركة لإثبات القوة والهيبة الشخصية.

إن العودة إلى المسار الدبلوماسي لا تعني بالضرورة التنازل عن المصالح الأمريكية، كما أن إنهاء الحرب لا يعني منح إيران تفويضاً مفتوحاً في المنطقة. فهناك فرق كبير بين حماية المصالح الاستراتيجية وبين الدخول في مواجهة مفتوحة تتضاعف تكلفتها كلما طال أمدها.

وفي المقابل، فإن التصعيد قد يضع الولايات المتحدة أمام استنزاف اقتصادي وسياسي وعسكري، ويمنح خصومها دوافع إضافية لإعادة بناء حساباتهم الاستراتيجية، ويجعل آثار الحرب عبئاً على الإدارات الأمريكية المقبلة، بصرف النظر عن الحزب الذي سيحكم البيت الأبيض.

الخلاصة أن ترامب لا يملك عامين فقط من السلطة، بل يملك عامين قد يحددان شكل المستقبل السياسي للحزب الجمهوري، وطبيعة الدور الأمريكي في العالم، ومستقبل المواجهة مع إيران.

فإذا اختار التسوية، فقد يفتح الباب أمام احتواء تداعيات الحرب وإعادة بناء الثقة. أما إذا اختار التصعيد، فقد لا تكون الخسارة مقتصرة على حزبه أو إدارته، بل قد تمتد إلى الولايات المتحدة بكل أحزابها ومؤسساتها، وتترك وراءها أزمة استراتيجية يصعب تجاوزها لسنوات طويلة.

فالبقاء مع ترامب، بالنسبة إلى من يطمحون إلى المستقبل، قد يتحول إلى ارتهان لماضٍ مثقل بالأزمات. وبالنسبة إلى الدول التي تراهن على سلطته، فإن السؤال لم يعد كم تستطيع أن تكسب من قربها منه، بل كم يمكن أن تخسر إذا انتهت مغامرته السياسية والاستراتيجية إلى طريق مسدود.

فالمشكلة ليست في المدة المتبقية لترامب في الحكم، وهي لعامين، بل في آثار قراراته التي قد تبقى طويلاً بعد مغادرته البيت الأبيض.

بقلم جليل هاشم