الخميس - 05 نوفمبر 2026

من سورة الأنعام: وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ ﴿سورة الأنعام: 112﴾..!

منذ ساعة واحدة
الخميس - 05 نوفمبر 2026

✍ السيد بلال وهبي ||

 

 

(اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا)
قال تعالى: وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ ﴿سورة الأنعام: 112﴾.

تكشف هذه الآية الكريمة عن واحدة من سنن الصراع بين الحق والباطل، وتبين أن عداوة أهل الباطل للأنبياء والرُسُل ليست أمرًا عابرًا، ولا نتيجة نقص في كمالاتهم أو خلل في دعوتهم إلى الله، بل هي سُنَّة متكررة في تاريخ الرسالات، إذ لم تخلُ دعوة نبي من مواجهة معارضة وعداوة من بعض أهل الباطل. كما تكشف أن هذه العداوة لا تقوم على المواجهة الصريحة وحسب، بل تستند أيضًا إلى التحالف بين شياطين الإنس من أهل الباطل، الذين يتقنون تزيين الباطل وتقديمه في صورة الحق، حتى يستدرجوا الناس إلى مواقف وخيارات لا يدركون حقيقتها إلا بعد فوات الأوان.
في هذا السياق ينبغي أن أشير إلى خطأ فادح قد يقع فيه أهل الحق أو بعضهم، وهو اعتقادهم أن حقانية قضيتهم ونزاهة مواقفهم ووضوح خياراتهم وقوة حجتهم، كل ذلك كفيل بانحياز الناس إليهم، أو على الأقل بمنع الآخرين من معاداتهم. فإذا وجدوا من يعاديهم ويقف في وجههم ويكيد لهم ويشوِّه سمعتهم شَقَّ عليهم ذلك وعظُم أثره في نفوسهم، وتساءلوا: كيف يعاديهم الناس وهم على الحق ويطلبون الحق ولا يطلبون سواه.
والحق، قارئي الكريم، أن صلاح الإنسان وصدقه لا يقتضي عدم معاداة الناس له، بل إن دعوة الإنسان إلى الحق والإصلاح قد تجعله عُرضة لعداوة من تتعارض مصالحهم أو توجّهاتهم مع ما يدعو إليه، ولا سيما حين تمسّ دعوته امتيازات اعتادوا الحفاظ عليها، ولنا في تجارب الأنبياء والرسل والأولياء والمصلحين برهان على ذلك، فالأنبياء لم يكونوا أعداءً لأقوامهم، ولم يطلبوا منفعة شخصية أو امتيازًا خاصًا، بل كانوا أهل صلاح واستقامة، ومع ذلك واجهوا أعداء شديدي العداوة سعوا إلى تشويه سمعتهم، بل وقتلهم، وصد الناس عنهم.
إن مسيرة الحق لم تحظَ يومًا بإجماع الناس، ولم يكن أهل الحق يومًا محبوبين من جميع الناس، وهذه حقيقة يجب ألا تغيب عن ذهن أي مؤمن يحمل الحق ويدعو إليه، ويحمل مشروعًا إصلاحيًا أو تحرريًا، فليس واقعيًا أن يتوقع تأييد جميع الناس له، أو أن يربط نجاحه برضاهم عنه. فالمجتمع ليس كتلة متجانسة في تصوراتها ومصالحها، ففيها من يطلب الحق وفيها من يطلب الباطل، وفيها من يحمل الحق إذا عرفه، وفيها من لا يحمله ولو عرفه، وفيها من يضحي من أجل الحق، وفيها من يريد من الحق أن يحفظ مصالحه، وفيها من يسهل خداعه عن الحق، وفيها من يثبت عليه لا تهزه عواصف الشبهات ولا عواصف المِحن.
وعليه، فلا يجوز بحال من الأحوال أن ينتظر أهل الحق إجماع الناس عليهم، لعدم إمكان ذلك، ومعه فإن انتظار الإجماع يصبح قيدًا يكبل الإنسان أو الجماعة عن العمل، وقد يدفعهم ذلك إلى المداهنة في خطابهم، أو التنازل عن مبادئهم، أو السكوت عن أخطاء جسيمة خشية خسارة التأييد الشعبي، بدلًا من التمييز بين المرونة المشروعة في الوسائل، والتفريط المرفوض في المبادئ، والآية الكريمة حين تقرّر أن لكل نبي عدوًا تريد أن تهيئ المؤمن لفهم طبيعة الواقع الذي يعملون فيه، فلا يفاجئهم وجود الأعداء، ولا يدفعهم ذلك إلى التخلّي عن مشروعهم.
من الأمور اللافتة في الآية الكريمة قوله تعالى: ﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا﴾ فالله سبحانه يؤكِّد أنه هو الذي يجعل العداوة للأنبياء، مع أن العداوة لهم فعل يصدر عن أشخاص مختارين غير مجبرين، اختاروا الكفر والجحود والتمرد على إرادة الله ونداء الحق، فهل يعني أنه خلقهم ليكونوا أعداءً، أو أجبرهم على العداوة، وكيف يمكن ذلك ونحن نعلم أنه تعالى ينهاهم عن معاداة أهل الحق، ويحاسبهم عليها؟!
إن من مسلمات العقيدة الإسلامية أن الإنسان مسؤول عن جميع ما يصدر عنه لأنه موجود مختار، ومحال أن يجبره الله على فعل أو ترك ثم يؤاخذه على ما أجبره عليه. إن نسبة أفعال البشر إلى الله لا تسلبهم حرية الاختيار، فإرادتهم وقدرتهم منحة منه تعالى، وهم يمارسون أفعالهم في إطار القدرة التي وهبهم الله إياها.
وعليه، يمكن فهم نسبة جعل العداوة إلى الله في إطار مشيئته الكونية وتقديره الذي تجري ضمنه أفعال البشر، من غير أن يعني ذلك أنه أجبرهم على العداوة أو رضي بأفعالهم الظالمة. فقد جعل الله الحياة ميدانًا للابتلاء، ومن صور هذا الابتلاء ما يواجه به أهل الحق من عداوة ومقاومة، وقد تكشف هذه المواجهة عن معادن النفوس، وتمتحن ثبات المؤمنين وإخلاصهم وصبرهم، وتُظهر مواقف الناس من الحق. غير أن ما قد يترتب على الابتلاء من آثار تربوية أو إيمانية لا يجعل الظلم مطلوبًا لذاته، ولا يرفع المسؤولية عن الذين يمارسونه.

ختامًا، الآية تحدد طبيعة الأعداء أنهم شياطين، وهم الطغاة المتمردون، وتكشف عن نمطٍ من أنماط عملهم يتمثَّل في تبادل الإيحاء والتأثير إذ يقول تعالى: ﴿يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ﴾ فهم يتبادلون الخبرات وينسّقون الخطوات، ويتشاورون في الوسائل التي يجب اعتمادها، ومن أبرز الوسائل التي يعتمدونها للتأثير في الناس ﴿زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾. أي الكلام المزوّق الجميل ظاهرًا، والمسموم واقعًا، الذي يخدع العامة من الناس.

✍ السيد بلال وهبي
فجر يوم الخميس الواقع في: 5/11/2026 الساعة (04:54)