الوطن خارج التغطية والعقيدة بث مباشر على ترددات المصالح..!
زيد الحسن ||

نموت وليحيا الوطن… يحيا لمن؟ ثمة قصيدة تختصر وجدان أمة بأكملها حين تقول «نموت وليحيا الوطن» وهي عبارة تبدو في ظاهرها قمة التضحية والانتماء ، لكن خلف هذا النداء سؤالاً يستحق أن نتوقف عنده طويلاً… حين نموت نحن فمن الذي سيحيا؟ ولمن سيبقى الوطن ؟ وهل الوطن كيان مقدس بذاته أم أنه قيمة تستمد معناها من الإنسان الذي يعيش فيه ويصونه ويمنحه كرامته؟
لقد طال الحديث عن الوطن والعقيدة حتى تحول النقاش عند البعض إلى معركة بين اتجاهين وكأن الانتماء إلى أحدهما يقتضي التخلي عن الآخر بينما تكمن المشكلة في الغالب لا في اختلاف المفاهيم بل في الجهل بحقيقة كل منهما والخلط بين المعنى والممارسة وبين المقدس وما يرفعه الناس من شعارات .
حين يصنع الجهل خصومة :
ليس كل من تحدث باسم العقيدة قد فهم مقاصدها ، وليس كل من رفع راية الوطنية قد أدرك معناها ، فهناك من اختزل العقيدة في مظاهر وشعارات وهناك من اختزل الوطنية في حدود جغرافية وأناشيد وأعلام ، ثم راح كل طرف يحاكم الآخر من زاويته الضيقة ، والحقيقة أن العقيدة التي لا تهذب علاقة الإنسان بأرضه وناسه تفقد شيئاً من أثرها في الحياة كما أن الوطنية التي تنفصل عن القيم والضمير تتحول إلى انتماء أجوف لا يميز بين الحق والباطل .
الوطن ليس صنماً :
الوطن ليس حجراً نعبده ولا تراباً نقدسه بمعزل عن الإنسان ، وليس مجرد مساحة مرسومة على خارطة ، إنه الذاكرة واللغة والأهل والطفولة والبيوت التي احتضنت أحلامنا ، والمكان الذي نشعر فيه أن لنا جذوراً لا تقتلعها المسافات ، ومن يحب وطنه لا يعني أنه يضعه فوق كل قيمة ولا أن عليه أن يبرر أخطاءه باسم الانتماء فحب الوطن الحقيقي لا يعني تقديس السلطة ولا السكوت عن الظلم بل يعني أن نريده أفضل وأن نرفض كل ما ينتقص من كرامة أهله .
العقيدة ليست خصماً للوطن :
أما العقيدة فهي البوصلة التي تضبط علاقة الإنسان بنفسه وبالآخرين وتمنحه منظومة من القيم والمبادئ التي لا ينبغي أن تتناقض مع العدل والرحمة والوفاء وصيانة الحقوق ، ومن الخطأ أن نتصور أن صاحب العقيدة لا يستطيع أن يكون وطنياً ، أو أن الوطني الصادق لا بد أن يكون بعيداً عن عقيدته ، فليس هناك تناقض في أن يحب الإنسان دينه ويخلص لوطنه ويحترم أبناء وطنه على اختلاف معتقداتهم ،
فالعقيدة التي تعلم الإنسان العدل لا يمكن أن تكون عدواً لأرض يقيم عليها العدل والوطن الذي يتسع لأبنائه لا ينبغي أن يطلب منهم التخلي عن ضمائرهم كي يثبتوا ولاءهم له .
من يسبق الآخر؟
السؤال الذي يتكرر دائماً هو أيهما أولى الوطن أم العقيدة؟ وربما كان السؤال بصيغته هذه هو موطن الخلل لأنه يفترض أن الإنسان مطالب بالاختيار بين قيمتين لا تستلزم إحداهما إلغاء الأخرى ، لكن حين يقع التعارض الحقيقي بين مبدأ أخلاقي ومصلحة وطنية مزعومة فإن المعيار ليس اسم الشعار الذي يرفع بل قيمة الموقف نفسه فالظلم لا يصبح عدلاً لأنه ارتكب باسم الوطن ولا يصبح حقاً لأنه غلف بشعار ديني ، الوطن لا يطلب من الإنسان أن يخون ضميره ، والعقيدة لا تمنحه رخصة لظلم الآخرين ، وهنا تتضح المسافة بين الانتماء الأعمى والانتماء الواعي .
الوطن الذي يستحق التضحية :
إن الوطن الذي يستحق أن نموت من أجله هو الوطن الذي لا يجعل الموت غاية ولا يحول أبناءه إلى أرقام في سجلات التضحية بل يسعى لأن يعيشوا بكرامة وأمان وعدالة ،
فليس أعظم صور حب الوطن أن نقدم أبناءه قرابين للحروب والصراعات بل أن نحمي حياتهم ونصون مستقبلهم ونبني لهم أرضاً لا يضطرون فيها إلى البحث عن وطن بديل ،
وإذا كان الشاعر قد قال نموت وليحيا الوطن فالأجدر أن نضيف إلى هذه العبارة سؤالاً آخر : لماذا لا نعيش ليحيا الوطن بنا ؟ فالأوطان لا تنهض بكثرة من يموتون عليها بل بكثرة من يخلصون في بنائها ويحفظون كرامة الإنسان فيها .
ليس الوطن نقيض العقيدة ولا العقيدة خصماً للوطن وإنما الخصومة الحقيقية تبدأ حين يجهل الإنسان معنى الاثنين ، فالوطن حياة تستحق أن نصونها والعقيدة قيمة تستحق أن نعيش بها وبين الحياة والقيمة يولد الإنسان الذي يعرف معنى الانتماء .




