الخميس - 05 نوفمبر 2026

ارهاصات مجنون.. الچنّة في معسكر الحجية… يوميات أبو حيدر بين الجبهتين..!

منذ 4 ساعات
الخميس - 05 نوفمبر 2026

د. طالب الشوكة ||

 

 

في العائلات العراقية لا يُقاس النجاح الوظيفي للرجل بقدرته على جلب الراتب، بل بقدرته الفذة على إدارة مجلس الأمن العائلي المكون من جبهتين لا تلتقيان. الوالدة الكريمة (عصارة الحكمة والخبرة، ووزيرة التذمر التاريخي) وزوجة الابن الچنّة (المحارب الجديد المطالب بإثبات الوجود).
أما الزوج المسكين؟ فهو ليس سوى المنطقة العازلة أو “قوات حفظ السلام الدولية” التي تتلقى القذائف من الجهتين، وتخرج من المعركة بلا رابح ولا حتّى تعويض إصابة !
الجبهة الشمالية. الوالدة الكريمة ست الحبايب ام طالب
التي تجلس على عرش الصالة، وتراقب تدفق الأحداث بعين لا تنام. تدّعي المرض كلما اشتمّت ريح تقصير محتمل، فترتفع حرارة الشكوى لديها لتوازي درجات حرارة بغداد في تموز. همُها الأساسي. تذكير الابن العاقّ ابا جيدر بأنه ما شاف يوم راحة من رباك، وهاي مرتك ما عرفت تدير بيتها، وانطلاق مسيرة التنهدات الطويلة التي تهز أركان البيت، ليشعر الزوج وكأنه يقف أمام محكمة الجنايات الدولية بتهمة عقوق الوالدين لمجرد أنه اشترى طماطة مو خيار!
الجبهة الجنوبية… الچنّة
التي دخلت البيت العتيق على أمل أن تكون أميرة القصر، لتكتشف أنها أصبحت في معسكر تدريب عسكري إجباري. همّها الأكبر إثبات أن طبخها ألذ من طبخ الحجية، وأن نظافة البيت تضاهي الفنادق السبع نجوم. وما إن يتأخر الزوج في العمل دقيقة، حتى تبدأ معركة الدموع الصامتة والرسائل المشفرة. طبعاً، أنت ما تحبني، وأهلك فوق كل شيء، وأني خدامة جايبني بالبيت!”.
وزير الخارجية المفجوع هنا تبدأ مهارات الدبلوماسية الانتحارية. يدخل ابوحيدر إلى البيت كالمحقق الجنائي؛ يزيل حذاءه بحذر شديد لئلا يصدر صوتاً يزعج الوالدة، وفي نفس اللحظة يبتسم لزوجته بابتسامة صفراء تعني: أنا أحبك والله، بس هدي الوضع.
إذا أرضى أمه بالجلوس معها وسماع شكواها، اتهمته زوجته بأنه ابن أمه ولا يستقل بكيانه. وانت مو رجال
إذا التفت لترضية زوجته والدفاع عنها، اتهمته أمه بأنه عقّ والدته من أجل امرأة غريبة دخلت البيت أمس!.والله لايوفقك ولا يرزقك وكلبي ماراضي عليك يابن بطني
يتحول المسكين إلى قرقوز على حبل مشدود، يقسم الأيمان المغلظة للطرفين، ويحاول إرضاء الجميع على حساب صحته العصبية والنفسية، إلى أن تنتهي المسرحية الكبرى بسقوطه شهيد الواجب العائلي؛ فيموت من شتلة ضغط أو جلطة مفاجئة، وهو يحاول تبرير سبب تأخر وجبة الغداء!
يموت المكرود ويُزف إلى مثواه الأخير وسط نواح الجميع، لكن المشاكل… تبقي على ما هي عليه!
بل وتشتعل جبهة جديدة فوق قبره. من يرث صوته في حل النزاعات؟
ما بعد التشييع… والبيعة الكبرى
وبعد أن وُري جثمان شهيد الواجب العائلي الثرى، وانتهت أيام الفاتحة الثلاثة وسط نادباتٍ يعددن مناقبه ودبلوماسيته الخالدة، عاد الجميع إلى القصر العتيق…
خيم الهدوء لدقائق معدودة، ظنّ فيها الجيران أن الحرب وضعت أوزارها. لكن سريعان ما انطلقت شرارة الحرب الباردة الجديدة!
جَلست الحجية ام طالب على عرش الصالة، تفرك ركبتيها بمرهم المفاصل، ونظرت إلى القنفه الفارغة وقالت وهي تتنهد
الله يرحمك يمة أبا جيدر… ما كتلك هاي المكرودة راحت تصعد ضغطك لما موتتك؟
وفي نفس اللحظة، كانت الچنّة تغسل مواعين الفاتحة في المطبخ، ومسحت دموعها بطرف الشيلة وهمست لنفسها
الله يرحمك يا عيني… كتلك امك راح تموتوك من سوالفه وما سمعت مني!”
وبينما كانت الجبهتان تستعدان لجولة ركلات الترجيح على من يستلم ريموت التلفزيون وراتب التقاعد، كان حيدر الصغير ابن المتوفى، البالغ من العمر 8 سنوات يجلس في الزاوية يلتهم بقايا ثواب الفاتحة.
نظر إليه الجميع فجأة… نفس ملامح الأب، ونفس العيون البريئة التي لا تدري ما ينتظرها. ابتسمت الحجية ام طالب ، ونظرت إليه الأم، وفي تلك اللحظة بالذات، تم نقل سلطة قوات حفظ السلام رسمياً إلى الطفل المسكين!
يا حيدر… جهّز جهاز قياس الضغط، فالمعركة لم تنتهِ، وإنما انتقلت إلى جيلٍ جديد .