من ملحمة الدريهمي إلى صناعة معادلات النصر..!
عدنان عبد الله الجنيد ||

الشهيد العميد علي حسين حميد حمود العزي (أبو حسين).. من ملحمة الدريهمي إلى صناعة معادلات النصر؛ قائدٌ حوّل الجراح إلى إرادة، والقيادة إلى إيثار، والميدان إلى مدرسة للأجيال
من الصفراء في صعدة، حيث تشكّلت ملامح الشخصية والإيمان، إلى جبهة الساحل الغربي، حيث اشتعلت معركة النفس الطويل، وخاض الشهيد مع رفاقه ملحمة الدريهمي لفك الحصار؛ حكاية قائد عسكري جمع بين علم المدفعية والصواريخ، وبصيرة القيادة، وروح المربي الذي كان يطعم جنوده قبل نفسه، ويعلّمهم القرآن بعد صلاة المغرب، ويظل يتفقدهم حتى وهو جريح فاقد الوعي. لتتحول تجربته إلى شهادة على أن قوة القائد لا تُقاس بما يمتلكه من سلاح فحسب، بل بما يزرعه في نفوس رجاله من ثبات وإيثار واستعداد لصناعة المستقبل.
من الصفراء إلى الدريهمي.. حين تصنع الأرض رجال المواقف الكبرى
ليست الجغرافيا مجرد مساحة مرسومة على الخرائط، ولا التاريخ مجرد أحداث تتعاقب في ذاكرة الزمن؛ فهناك أرض تصنع في أبنائها ملامح الصلابة، وتغرس في وجدانهم معنى الانتماء، وتمنحهم من طبيعتها القاسية دروساً في الصبر والثبات. ومن هذه الجغرافيا اليمنية تبرز مديرية الصفراء بمحافظة صعدة، بما تحمله من امتداد تاريخي واجتماعي وقبلي، وبما ارتبطت به من حضور في المسيرة القرآنية ومراحل المواجهة التي شهدتها البلاد.
من منطقة نشور في مديرية الصفراء، خرج الشهيد العميد علي حسين حميد حمود العزي، المعروف بـ«أبي حسين»، حاملاً ملامح بيئته وقيمها، وماضياً في مسيرة عسكرية وجهادية انتهت في ساحل الحديدة، يوم الخامس من يناير 2019، في محيط مدينة الدريهمي المحاصرة.
بين الصفراء والدريهمي مسافة جغرافية، لكن بينهما امتداداً من المعنى؛ فمن جبال صعدة إلى سهول الساحل الغربي، انتقل الشهيد من مرحلة التكوين إلى ميدان الاختبار، ومن ميادين المسؤولية العسكرية إلى واحدة من أكثر جبهات الحرب تعقيداً.
لم يكن أبو حسين قائداً يبحث عن موقع متقدم في المشهد، بل كان يبحث عن موقع يكون فيه أكثر قرباً من جنوده، وأكثر قدرة على تحمل المسؤولية. ولذلك لم تكن قيادته قائمة على إصدار الأوامر من بعيد، وإنما على الحضور والمشاركة وتحمل المشقة، حتى أصبح في نظر رجاله أباً ومعلماً ورفيق درب، قبل أن يكون قائداً عسكرياً.
الشهيد في سطور.. حين اجتمعت رفعة الاسم وسمو الأخلاق وكفاءة القيادة
يحمل اسم الشهيد علي حسين حميد العزي معاني الرفعة والحُسن والحمد والعزّة والكرامة، وهي دلالات تجسدت في شخصيته؛ فقد جمع بين الكفاءة العسكرية والإيمان والتواضع والإيثار والوفاء لرفاقه، فكان قائداً في الميدان ومربياً في السلوك.
أما على المستوى العسكري، فقد تلقى الشهيد دراسات عسكرية عليا في مجال الصواريخ، وتفوق في تخصصه، واكتسب خبرة في تشغيل وإدارة منظومات المدفعية والصواريخ، ما أهّله لتولي مسؤوليات قيادية في جبهات متعددة.
تولى قيادة المدفعية في جبهة الملاحيط، ثم قيادة المدفعية في جبهة نجران، قبل أن يتولى منصب أركان حرب اللواء الخامس مغاوير في جبهة الساحل الغربي بمحافظة الحديدة.
وتكشف هذه المحطات عن مسار مهني انتقل فيه من التخصص العسكري إلى المسؤولية القيادية، ومن إدارة جانب من العمل الميداني إلى المشاركة في قيادة تشكيل عسكري ضمن واحدة من أعقد جبهات المواجهة.
لكن ما يمنح سيرته خصوصيتها أن الكفاءة العسكرية لم تنفصل عن التربية والإيمان؛ فكان يجمع رجاله بعد صلاة المغرب في حلقات قرآنية، ويتولى تعليمهم بنفسه، في صورة تختصر فلسفته القيادية: أن بناء الإنسان لا يقل أهمية عن إعداده للميدان، وأن الانضباط الروحي والأخلاقي جزء من بناء الشخصية المسؤولة.
لم يكن المصحف بعيداً عن البندقية في حياته، ولم تكن القيادة عنده منفصلة عن التربية؛ فقد أراد لجنوده أن يكونوا أصحاب وعي وأخلاق، لا مجرد أفراد يؤدون المهام العسكرية.
وهكذا اجتمعت في شخصيته أربعة معانٍ: علم عسكري، وشجاعة ميدانية، وتربية قرآنية، وإنسانية عالية.
في حمرة الميدان.. من الملاحيط ونجران إلى الساحل الغربي؛ مسيرة قائد حمل القرآن في قلب المعركة
لم تكن المسيرة العسكرية للشهيد العميد علي حسين العزي انتقالاً بين جبهات متباعدة فحسب، بل كانت سلسلة من التجارب التي صقلت خبرته، ووسعت مداركه العسكرية، واختبرت قدرته على تحمل المسؤولية في ظروف مختلفة.
في جبهة الملاحيط، تولى قيادة المدفعية، وبرزت خبرته في مجال تخصصه العسكري. ثم انتقل إلى جبهة نجران، حيث تولى المهمة ذاتها، مشاركاً في إدارة واحدة من جبهات المواجهة الممتدة. ومع انتقاله إلى الساحل الغربي، دخل مرحلة جديدة من المسؤولية، بتوليه أركان حرب اللواء الخامس مغاوير.
كان هذا التدرج انعكاساً لما امتلكه من خبرة عسكرية وكفاءة في التعامل مع منظومات المدفعية والصواريخ، لكنه لم يكن وحده ما يميزه؛ فقد كانت علاقته بالجنود مدرسة أخرى في القيادة، تختلف عن كل ما يمكن أن تقدمه المناهج العسكرية.
كان أبو حسين يقود بالحب قبل الأمر، وبالقدوة قبل التوجيه.
فالقائد الذي يطعم جنوده وهو جائع، ويبحث عن كسوتهم وهو لا يملك لنفسه شيئاً، لا يحتاج إلى كثير من الكلمات ليزرع الثقة في نفوسهم. والقائد الذي يجلس معهم بعد صلاة المغرب ليعلمهم القرآن، لا يبني علاقة عسكرية عابرة، وإنما يؤسس رابطة إنسانية وتربوية تجعل المسؤولية مشتركة، وتجعل كل فرد يشعر بأنه ليس وحيداً في مواجهة المحنة.
لقد أدرك الشهيد، بسلوكه العملي، أن المقاتل الذي يشعر بأن قائده يحمل همّه، ويشاركه آلامه، ويحفظ كرامته، يكون أكثر ارتباطاً بروح الجماعة والمسؤولية.
وهنا تتجلى إحدى أهم قواعد القيادة الإنسانية: أن الجندي لا يتذكر قائده بسبب الرتبة التي يحملها، وإنما بسبب المواقف التي يجد فيها قائده إلى جانبه.
في معركة النفس الطويل، كانت الجبهات تتطلب صبراً ممتداً، وقدرة على التكيف مع ظروف المواجهة، وتحمل مشاق الحرب وتداعياتها. وفي مثل هذه الظروف، لا تُختبر كفاءة القائد في لحظات التقدم وحدها، بل في قدرته على المحافظة على تماسك رجاله، ورعاية احتياجاتهم، وإبقاء روحهم المعنوية حاضرة رغم طول المواجهة.
ومن هنا يمكن فهم خصوصية تجربة أبي حسين في الساحل الغربي؛ فقد كان يحمل مسؤولية عسكرية في جبهة معقدة، وفي الوقت نفسه يحمل مسؤولية أخلاقية تجاه الرجال الذين يعملون معه.
لقد زرع فيهم معنى أن القيادة ليست استعلاءً على الجنود، وأن الرتبة لا تعني الابتعاد عن المعاناة، وأن القائد الحقيقي هو الذي يكون أول من يتحمل المشقة، وآخر من يفكر في راحته.
ولهذا لم تكن محبة جنوده له مجرد عاطفة تجاه قائد، بل كانت حصيلة مواقف يومية من الإيثار والرعاية والوفاء.
الجراح التي لم تُسقط إرادة القائد.. حين بقي قلب أبي حسين في الميدان وجسده على سرير المستشفى
الجسد جريح، والذاكرة مع الرفاق، والإرادة تبحث عن طريق العودة.
ثمة مواقف في حياة القادة تكشف عن معدن الشخصية أكثر مما تكشف عنه سنوات طويلة من العمل؛ وموقف الشهيد العميد علي حسين العزي بعد إصابته من تلك اللحظات التي تختصر علاقته بالميدان وبالرجال الذين عاشوا معه تفاصيل المواجهة.
أصيب الشهيد ثلاث مرات أثناء مشاركته في المعارك، وكانت إحدى إصاباته بشظايا قذيفة مدرعة إماراتية، وفق المعلومات الواردة في سيرته. غير أن الجراح لم تكن بالنسبة إليه نهاية المسؤولية، ولم يكن المستشفى في وجدانه سوى محطة اضطرارية تفصله مؤقتاً عن رفاقه.
تروي المعلومات المنقولة عن تلك المرحلة أنه، وهو جريح وفي حالة فقدان للوعي، ظل يسأل عن أصحابه وأصدقائه، ويتفقد أحوالهم، ويذكر أسماءهم واحداً تلو الآخر:
أين فلان؟ وأين فلان؟
لم يكن السؤال سؤال قائد يريد الاطمئنان على موقع عسكري فحسب، بل سؤال إنسان يعرف رفاقه بأسمائهم، ويحمل همومهم في ذاكرته، ويشعر أن سلامتهم جزء من مسؤوليته الشخصية.
والمفارقة المؤثرة أن الرجل الذي كان يحتاج إلى من يرعاه، ظل منشغلاً بمن كان يرعاهم.
كان جريحاً، لكنه يريد العودة إلى مواقع القتال. وكان بعيداً عن رفاقه بجسده، لكنه لم يستطع الابتعاد عنهم بقلبه. وكان يطلب المسامحة من السيد عبد الملك الحوثي، يحفظه الله، ويحمد الله ويدعوه أن يكتب له العودة إلى مواقع المواجهة.
تكشف هذه التفاصيل عن حالة ارتباط وجداني عميقة بالميدان، وعن شخصية لم تكن ترى في المسؤولية العسكرية وظيفة تنتهي عند الإصابة، بل أمانة ظلت حاضرة في ضمير صاحبها حتى وهو عاجز عن الحركة.
وحين أفاق وعلم أنه في المستشفى بسبب إصابته، جاءت عبارته التي بقيت شاهداً على ما عاشه من ألم ومفاجأة:
«مدرعة تصبني، الله المستعان، أقسم بالله أن ربي عادل».
إنها عبارة تختلط فيها مرارة الإصابة بالتسليم لله، وتكشف عن رجل لم يفقد توازنه الإيماني أمام الألم.
والأعمق من ذلك أن إصاباته لم تمحُ من ذاكرته وجوه رفاقه، ولم تشغله عن مصيرهم. لقد كان يريد العودة إليهم لأنه يعرف ظروفهم، ويشعر بمسؤوليته عنهم، ويرى في وجوده بينهم واجباً لا يستطيع التخلي عنه بسهولة.
عسكرياً، تكشف هذه الواقعة عن قوة الارتباط بين القائد وتشكيله، وعن أهمية الثقة المتبادلة التي تتكون عبر المعايشة اليومية. وإنسانياً، تكشف عن معنى الإيثار حين يبلغ أقصى درجاته: أن ينشغل الإنسان بالآخرين في اللحظة التي يكون فيها هو أحوج إلى الرعاية.
لقد كانت جراح أبي حسين امتحاناً لمعدنه، وكشفت أن القيادة عنده لم تكن منصباً يمنحه السلطة، وإنما رابطة تحمل صاحبها مسؤولية الآخرين.
كان يتفقد جنوده وهو جريح، ويبحث عنهم وهو بعيد، ويطلب العودة إليهم وهو لا يزال تحت العلاج؛ وكأن الميدان لم يكن مكان عمله فقط، بل المكان الذي ترك فيه قلبه.
أبو حسين في ملحمة الدريهمي.. القائد الذي دخل معركة فك الحصار ولم يترك رفاقه
في قلب هذه المعادلة يظهر الشهيد العميد علي حسين العزي، لا بوصفه اسماً عابراً في سجل المشاركين، وإنما باعتباره أحد القادة الذين حملوا مسؤولية ميدانية في جبهة الساحل الغربي.
لقد جمع بين الخبرة التخصصية في المدفعية والصواريخ، والتجربة القيادية في الملاحيط ونجران، والمسؤولية التي تولاها في اللواء الخامس مغاوير.
وكانت مشاركته في محاولة فك الحصار عن الدريهمي امتداداً طبيعياً لمسيرته العسكرية، حيث واجهت قيادته امتحاناً جديداً في بيئة جغرافية مختلفة، وفي معركة اتسمت بكثافة المواجهات وصعوبة الظروف.
وتكتسب شهادته في الخامس من يناير 2019 دلالتها من ارتباطها بهذه المرحلة تحديداً؛ فقد ارتقى في ميدان المواجهة أثناء مشاركته في محاولة فك الحصار عن المدينة، بعد أن كان قد أصيب ثلاث مرات في مسيرته الميدانية.
إن قراءة هذا الموقف تكشف عن أن تجربته لم تكن تجربة قائد يراقب المعركة من مسافة بعيدة، بل قائد ارتبط وجوده بميدان المواجهة وبالجنود الذين يقودهم.
ولذلك فإن السؤال الذي يفرض نفسه عند استحضار سيرته ليس فقط: ما المواقع التي تولى قيادتها؟ بل أيضاً: ماذا ترك في نفوس الرجال الذين عملوا معه؟
والإجابة تكمن في تلك الصورة الإنسانية التي تكررت في روايات رفاقه: قائد يقتسم الطعام والكساء، ويعلم القرآن، ويعيش ظروف جنوده، ويتفقدهم حتى بعد إصابته.
من فك حصار الدريهمي إلى معادلات باب المندب.. الجغرافيا التي لا تنفصل عن الإرادة
تتجاوز الدلالة الاستراتيجية للدريهمي حدود المعركة المحلية؛ فالساحل الغربي جزء من جغرافيا بحرية شديدة الحساسية، تمتد أهميتها من الحديدة إلى مضيق باب المندب، أحد أهم الممرات البحرية الدولية.
وهنا يمكن الانتقال من تجربة الشهيد إلى قراءة أوسع لمعنى الجغرافيا في الصراع اليمني.
فباب المندب ليس مجرد مضيق بحري، بل عقدة اتصال بين البحر الأحمر وخليج عدن والمحيط الهندي، ويمثل موقعاً مؤثراً في حركة التجارة والطاقة والنقل البحري العالمي.
ومن ثم، فإن أي قراءة عسكرية استراتيجية للساحل الغربي لا تستطيع فصل المناطق الداخلية عن الامتداد البحري، ولا تستطيع النظر إلى معارك المدن بمعزل عن البيئة الجغرافية والسياسية المحيطة بها.
لكن الربط بين الدريهمي وباب المندب لا يعني أن معركة المديرية كانت بذاتها عملية لفتح المضيق أو السيطرة عليه؛ بل يعني أن التجربة الميدانية في الساحل الغربي تطرح أسئلة استراتيجية أوسع عن السيادة والجغرافيا والأمن البحري، وعن كيفية تأثير نتائج المواجهات البرية في الحسابات السياسية والعسكرية المتعلقة بالممرات البحرية.
وهنا تتجلى أهمية الانتقال من حصار الدريهمي إلى معادلات باب المندب: انتقال من قراءة معركة محددة إلى فهم المجال الاستراتيجي الذي تتحرك ضمنه اليمن.
معركة الحصار بالحصار والتصعيد بالتصعيد.. في ذاكرة الميدان
ومن الوقائع التي تستحق التوثيق في هذه السيرة ما أشرت إليه بشأن معركة الحصار ، وما ارتبط بها من حصار ومواقف تصعيدية.
فالمعارك لا تُقرأ دائماً من خلال حركة القوات والاشتباكات وحدها؛ إذ تتداخل فيها أحياناً الرسائل السياسية والمواقف التفاوضية والحسابات الميدانية.
وتكشف عبارة «الحصار والتصعيد بالتصعيد»،.
وفي هذا السياق، يمكن تناول تجربة الشهيد باعتبارها جزءاً من ذاكرة المواجهة التي جمعت بين العمل القيادي والتعامل مع التحولات الميدانية، دون أن ننسب إليه تفاصيل محددة في معركة اليوم لم ترد في الرواية المتاحة.
إن القيمة الأهم التي يمكن استخلاصها من تجربته هي أن صناعة المستقبل لا تبدأ من السلاح وحده، بل من فهم التجارب وتوثيقها وتحليل ما تكشف عنه من دروس في القيادة والتخطيط وتحمل المسؤولية.
فالدريهمي، بما شهدته من حصار وصمود ومواجهات، تقدم مادة تاريخية وعسكرية تستحق الدراسة، وتجربة أبي حسين تقدم الجانب الإنساني والقيادي الذي يمنح تلك المادة روحها ومعناها.
الخاتمة
رحل أبو حسين شهيداً، وبقيت سيرته شاهداً على قائد جسّد الإيمان والإيثار والثبات، وجعل الوفاء لرفاقه عنواناً لمسيرته. ستظل ذكراه حاضرة، وستبقى تضحيات الشهداء مناراتٍ في طريق الحرية والكرامة ونصرة فلسطين والقدس.




