حين تصبح الحرب أكبر من الحسابات..!
طه حسن الأركوازي ||

لا تبدأ الحروب الكبرى دائماً بقرار إطلاق الصواريخ ، بل قد تبدأ حين تفقد الأطراف قُدرتها على التراجع ، وتتحول حسابات الردع إلى أختبار للإرادات ، وما يجري حول إيران اليوم لم يعد مُجرد خلاف بشأن برنامجها النووي أو حدود نفوذها الإقليمي ، بل أصبح صراعاً على إعادة تشكيل موازين القوة في الشرق الأوسط ، تتداخل فيه الحسابات العسكرية مع المصالح الاقتصادية والسيادة الوطنية ومُستقبل النظام الإقليمي .
إن الحديث المُتصاعد عن أحتمالية شنّ الولايات المتحدة وإسرائيل ضربات عسكرية مُباغته ضد إيران ، وما رافقه من تداول سيناريوهات تتعلق بأستهداف المُنشآت النووية شديدة التحصين ، يضع المنطقة أمام مرحلة بالغة الحساسية ، وقد أزدادت خطورة المشهد بعد الضربات الأمريكية المحدودة الأخيرة على جزيرة قشم ومحيط مضيق هرمز ، بالتزامن مع أستمرار التحركات الدبلوماسية والوساطات الرامية إلى منع عودة المُواجهة الواسعة .
أما الحديث عن أستخدام قنبلة نووية خارقة للتحصينات من طراز <B61-11> فلا ينبغي التعامل معه بأعتباره قراراً أمريكياً مُؤكداً ، فأمتلاك السلاح أو وجوده في الترسانة لا يعني أتخاذ قرار بأستخدامه ، ولا توجد حتى الآن أدلة موثوقة تثبت صدور مثل هذا القرار .
لكن السؤال الأكثر أهمية ليس ما إذا كانت واشنطن قادرة على توجيه ضربة جديدة ، وإنما ما إذا كانت تستطيع التحكم بنتائجها بعد وقوعها ، فالتفوق العسكري الأمريكي والإسرائيلي لا يعني بالضرورة القُدرة على فرض نهاية سياسية للحرب ، مثلما أن قُدرة إيران على إلحاق الأذى الكبير بخصومها لا تعني أمتلاكها القُدرة على منع الدمار أو ضمان الانتصار .
في تقديري ، لن يكون الرد الإيراني المُحتمل نسخة مُكررة من المُواجهات السابقة ، بل سيتحدد وفق طبيعة الضربة وأهدافها وحجم الخسائر التي تلحق بالقدرات الإيرانية ، ومن المُرجح أن تعتمد طهران على مزيج من الصواريخ الباليستية المُتطورة والطائرات المسيّرة والعمليات البحرية والضغط على المصالح العسكرية والاقتصادية المُرتبطة بالولايات المتحدة وإسرائيل في المنطقة ، وقد يمتد الرد بصورة مُباشرة أو غير مُباشرة إلى مواقع وقواعد ومصالح إقليمية أو ربُما أبعد ، وفق حسابات التصعيد والقُدرة على تحمل تبعاته .
غير أن أمتلاك أدوات الرد لا يعني أن أستخدامها بلا قيود ، فأستهداف المُنشآت الحيوية أو توسيع دائرة المُواجهة قد يُحوّل الحرب من صراع بين أطراف مُحددة إلى أزمة إقليمية مفتوحة ، ويضع دولاً لا ترغب في الحرب أمام نتائج لم تخترها .
وهنا تبرز أهمية مضيق هرمز ، ليس بوصفه ورقة ضغط إيرانية فحسب ، بل كونه شرياناً حيوياً للاقتصاد العالمي ، فأي إضطراب طويل في الملاحة والطاقة لن يقتصر أثره على الولايات المتحدة أو إيران ، بل سيمتد إلى الأسواق وأسعار النفط وسلاسل الإمداد والاقتصادات الهشة .
أما شبكة الحُلفاء الإقليميين ، فهي تُمثل أحد عناصر القوة والضغط في الحسابات الإيرانية ، لكنها في الوقت نفسه تحمل مخاطر أتساع الجبهات وصعوبة السيطرة على مسارات التصعيد ، فكُلما تعددت ساحات المُواجهة إزدادت أحتمالات تحول الصراع إلى حرب أستنزاف طويلة لا يستطيع أي طرف ضمان نتائجها النهائية .
وفي المقابل ، لا يمكن إغفال أن إيران مهما أمتلكت من قُدرات عسكرية ، لكنها تواجه تحديات أقتصادية وأجتماعية ، وأن أستمرار الحرب قد يُضاعف الضغوط على المُجتمع والبنية التحتية والموارد الوطنية ، فالقدرة على الصمود ليست مُرادفاً للقدرة على تحمل الخسائر إلى ما لا نهاية .
لقد أثبتت تجارب دول عديدة مرت بحروب مُدمرة وأنهيارات أقتصادية ومُؤسساتية ، أن الخروج من تحت الركُام لم يكن نتيجة أمتلاك السلاح وحده ، بل نتيجة أستعادة مُؤسسات الدولة ، وإعادة بناء الاقتصاد ، وحماية الكفاءات البشرية ، وتحويل الخسائر إلى مُراجعة وطنية شاملة ، وهذه هي المُعادلة التي ينبغي ألا تغيب عن الحسابات الإيرانية ، كما لا ينبغي أن تغيب عن حسابات خصومها .
بالنسبة إلى العراق ، فإن الخطر يتجاوز حدود التضامن السياسي أو المواقف الدبلوماسية ، فالجغرافيا والمصالح الاقتصادية والتداخل الأمني تجعله من أكثر الدول تعرضاً لتداعيات أي مواجهة واسعة ، وقد يجد نفسه أمام ضغوط مُتعارضة ، وأستهداف مُحتمل لمصالح عسكرية ، وأضطراب في صادرات النفط والأسواق ، فضلاً عن مخاطر أنتقال الصراع إلى ساحته الداخلية ، لذلك فإن حماية العراق تبدأ بتحصين قراره الوطني ، ومنع أستخدام أراضيه منصة لتصفية الحسابات ، وترسيخ مبدأ حصر السلاح بيد الدولة ، والابتعاد عن الانخراط في محاور الصراع .
ختاماً .. إن ما نشهده اليوم هو حرب باردة تتخذ أحياناً شكل المُواجهة العسكرية المحدودة ، وأحياناً أخرى شكل العقوبات والحصار والتهديد والتفاوض ، بين إيران من جهة ، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى ، وفي هذه الحرب لا يبحث كُل طرف عن النصر العسكري فقط ، بل عن تحسين شروطه السياسية وفرض مُعادلة ردع جديدة قبل الوصول إلى تسوية .
لكن المفارقة الاستراتيجية أن الطرف الذي يستطيع إشعال الحرب ليس بالضرورة يكون هو الطرف الذي يستطيع تحديد نهايتها ، فالقوة الحقيقية لا تُقاس بقُدرة الدول على تدمير خصومها ، وإنما بقُدرتها على حماية مصالحها ومنع تحول الانتصار العسكري المُؤقت إلى هزيمة سياسية طويلة الأمد ، والمنطقة لا تحتاج إلى حرب جديدة تثبت فيها الأطراف حجم قوتها ، بل إلى تسوية تحفظ السيادة وتمنع الانفجار ، وتُعيد الاعتبار للدولة ومصالح شعوبها ، لأن الركُام قد يُعاد بناؤه ، أما الأوطان حين تُستنزف في صراعات الآخرين ، فإن أستعادة عافيتها تحتاج إلى أجيال …!




