الصدّ عن سبيل الله.. حين تصبح محاربة الهداية ظاهرة اجتماعية..!
د. رعد هادي جبارة ||
الأمين العام للمجمع القرآني الدولي

■كيف يتحول الصدّ عن سبيل الله إلى ظاهرة اجتماعية وسلوكية وثقافية؟
■وما الوسائل التي يُمارس بها؟
■وكيف ينعكس على الفرد والأسرة و المجتمع؟
🔗خصوصية المفردة القرآنية92
🔹1.المقدمة: حين يصبح التمسك بالقيم تحدياً
إن الإنسان الذي يريد أن يعيش متمسكاً بدينه وأخلاقه وقيمه في عصرنا الحاضر يواجه ضغوطاً و إغراءات وتحديات متعددة، حتى أصبح الثبات على المبادئ في بعض البيئات أشبه بالقابض على الجمر.
وليس الخطر مقتصراً على الانحراف الفردي، بل يتعداه إلى وجود ممارسات ووسائل تستهدف إضعاف الالتزام الديني والأخلاقي، أو السخرية منه، أو إبعاد الآخرين عنه.
🔹2.الصدّ عن سبيل الله.. من الانحراف الفردي إلى التأثير الاجتماعي
هنا نناقش الفرق بين من ينحرف بنفسه، ومن يسعى إلى دفع الآخرين نحو الانحراف.
فالصدّ لا يعني بالضرورة أن يحمل الإنسان موقفاً معلناً ضد الدين؛ فقد يمارسه بالسخرية من المتدينين، أو التقليل من شأن العبادات، أو تصوير الالتزام الأخلاقي على أنه تخلف، أو إحراج الشباب والفتيات الذين يريدون المحافظة على قيمهم.
وقد أشار القرآن إلى هذا السلوك في قوله تعالى:
﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَىٰ مَا أَنزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُودًا﴾ [النساء: 61].
🔹3.الصدّ عن ذكر الله والصلاة: إضعاف الصلة الروحية
نركز هنا على الآية الكريمة:
﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ﴾ [المائدة: 91].
واللافت أن الآية لم تحصر آثار الخمر والميسر في الأضرار الصحية و الاقتصادية، بل كشفت عن أثرهما الاجتماعي والنفسي والروحي، وصولاً إلى إبعاد الإنسان عن ذكر الله والصلاة.
ويمكننا التوسع في مفهوم كل ما يستنزف وقت الإنسان ووعيه وإرادته، حتى يصبح بعيداً عن مسؤوليته الروحية والأخلاقية لولا خوف الإطالة في البحث.
🔹4.وسائل الصدّ في المجتمع المعاصر
◇الإعلام المضلل:
عندما تتحول بعض المنصات الإعلامية إلى أدوات لتسويق الانحراف وتزيين الرذيلة، أو تشويه صورة القيم الدينية.
◇وسائل التواصل الاجتماعي:
وما تنقله من محتوى هابط وإغراءات وشبهات وألعاب أطفال، فضلاً عن صناعة نماذج اجتماعية زائفة تُقدَّم للشباب بوصفها قدوات.
◇السخرية من الالتزام:
من خلال التنمر على المتدينين، والاستهزاء بالحجاب والصلاة والاحتشام، وتصوير التمسك بالقيم على أنه ضعف أو تخلف.
◇التفكك الأسري:
وهذا يحصل عندما يفقد الأبوان دورهما التربوي، أو تتحول الأسرة نفسها إلى بيئة لا تشجع أبناءها على الالتزام.
◇ضغط البيئة الاجتماعية:
حين يجد الشاب أو الفتاة نفسيهما أمام خيار صعب بين التمسك بالقيم وبين الحصول على قبول الأصدقاء والمحيط الاجتماعي لهم.
◇تزييف المفاهيم: عندما يُقدَّم الانحلال على أنه حرية، والوقاحة على أنها جرأة، والتجاوز على الآخرين على أنه تحرر من القيود.
وهنا ينبغي أن نؤكد أن النقد الموضوعي للدين أو مناقشة الأفكار لا يمثل بحد ذاته صدّاً عن سبيل الله؛ وإنما المقصود هو التضليل المتعمد، و الإكراه المعنوي، و تشويه الحقائق، و الحيلولة بين الإنسان وبين اختياره الواعي.
🔹5.الصدّ الأخلاقي والاجتماعي: عندما يُحارب المعروف
هذا المحور يجعلنا نركز على الآيتين الكريمتين:
قال تعالى:
﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ فَذَٰلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ وَلَا يَحُضُّ عَلَىٰ طَعَامِ الْمِسْكِينِ﴾
[الماعون: 1-3].
وقال سبحانه:
﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَىٰ عَبْدًا إِذَا صَلَّىٰ﴾ [العلق: 9-10].
في الأولى نرى انعكاس التكذيب بالدين على السلوك الاجتماعي، من خلال قسوة القلب تجاه اليتيم والمسكين، وفي الثانية نرى نموذجاً لمن لا يكتفي بترك العبادة، بل يتدخل لمنع غيره منها.
ومن هنا يمكن استخلاص مفهوم بالغ الأهمية: إن الانحراف قد يكون فردياً، لكن محاربة الخير والإحسان والعبادة تتجاوز الفرد إلى المجتمع بأسره.
🔹6.كيف نحمي المجتمع من ظاهرة الصدّ؟
لا يكفي أن نشخّص المشكلة، بل ينبغي أن نقدم رؤية عملية للمواجهة، من خلال:
📌تعزيز التربية القرآنية داخل الأسرة.
📌بناء شخصية واعية قادرة على التمييز بين الحرية والانفلات.
📌تقديم القدوة الحسنة بدلاً من الاكتفاء بالتوجيه اللفظي.
📌حماية الشباب من الابتزاز الفكري والنفسي والاجتماعي.
📌توظيف الإعلام الرقمي في نشر الوعي والقيم.
📌نشر ثقافة احترام المتدينين وعدم السخرية من اختياراتهم الأخلاقية.
📌ترسيخ مفهوم أن الالتزام الديني ليس خصومة مع الحياة، بل منهج لإعطائها معنى وغاية.
🔹7.الخاتمة: ليس كل صادٍّ يرفع شعار العداء للدين بل قد يتظاهر بخلاف ذلك،ولكن حقيقته هو الصد عن سبيل الهدى والرشاد.
إن أخطر أشكال الصدّ عن سبيل الله ليست بالضرورة تلك التي تعلن عداءها للدين بصورة صريحة، وإنما تلك التي تعمل بصمت على تفريغ الإنسان من قيمه، وتضعف علاقته بربه، وتجعله يستثقل الفضيلة ويستسهل الرذيلة، حتى يصبح الانحراف في نظره أمراً طبيعياً، والالتزام أمراً مستغرباً.
فالقرآن لا يريد من الإنسان أن يكون صالحاً في نفسه فحسب، بل يريد منه ألا يكون أداة في إفساد الآخرين أو إبعادهم عن طريق الحق.
والحمدلله رب العالمين، وهنا نكون قد أكملنا البحث في حلقته الرابعة.




