الأمان الكاذب..!
رياض الفرطوسي ||

كلما اشتعلت حرب قرب بيوتنا، سأل الناس: ماذا لو انفلت الأمن؟ سؤال صادق، لكنه يفترض أن الأمان موجود فعلاً، وأننا نخاف عليه من الضياع. والأصح أن نسأل: ما هذا الأمان الذي نخاف عليه؟ ومن صنعه؟ وبأي ثمن؟
الدولة في صورتها الأولى وعدٌ بالأمان. هذا ما قاله توماس هوبز (الفيلسوف الإنجليزي صاحب كتاب اللفياثان) قبل نحو أربعة قرون: يتنازل الناس عن جزء من حريتهم، وتتعهد السلطة بحمايتهم من الفوضى. صفقة واضحة: طاعة مقابل أمان. لكن الصفقات تفسد حين يصير أحد الطرفين هو من يحدد معنى البضاعة، فيبيع الأمان كما يشاء، ويحدد ثمنه كما يشاء، ويقرر وحده متى يكون الناس قد تلقوا ما دفعوا من أجله.
وهنا يبدأ الالتباس. فالأمان الحقيقي شعور بالاطمئنان: أنام ولا أخشى طرق الباب، وأتكلم ولا أحسب كلماتي، وأشكو من ظلم فيصغي إليّ أحد. أما ما يُباع غالباً باسمه فشيء آخر: هدوء لا يقوم على الطمأنينة بل على الحذر. والمؤرخ الروماني تاسيتوس (صاحب حوليات روما) نقل عن قائد بريطاني كان يقاتل جيوش روما جملة تلخص ذلك: يصنعون خراباً ويسمّونه سلاماً.
والفرق بين الاثنين أن الأمان الحقيقي يحتاج إلى عدالة تحميه، أما الأمان المصنوع فيحتاج إلى خوف يغذّيه. في الأرجنتين سنة 1977 كتب الصحفي رودولفو والش (الذي أسس وكالة أنباء سرية في عهد الحكم العسكري) رسالة مفتوحة قال فيها إن (الأمن القومي) الذي يتحدث عنه الحكام خلّف آلاف المفقودين، وإن إنجازه الوحيد أن جعل الناس يخافون حتى من بيوتهم. قُتل في اليوم التالي. كان كل شيء في البلد ساكناً، وهذا بالضبط ما يُسمّى أماناً.
ومن أخطر ما يفعله هذا النوع من الأمان أنه يخفض سقف توقعاتنا. في معسكرات ستالين كتب ألكسندر سولجنيتسين (الروائي الروسي الحائز على نوبل، وكان سجيناً في تلك المعسكرات) روايته (يوم في حياة إيفان دينيسوفيتش)، وأجمل لحظة في يوم السجين فيها وعاء إضافي من الحساء أو عقب سيجارة. حين يعتاد الإنسان الخوف يصير الفتات منّة، وتصير النجاة وحدها إنجازاً يُشكر عليه.
ثم تظهر النتيجة في المجتمع نفسه. حين لا يعود الناس يثقون بأن هناك عدلاً يحميهم، يبحث كل واحد عن حمايته الخاصة: عشيرته، أو سلاحه، أو قوته. فتتفتت الثقة، وتصبح البيوت أول من يدفع الثمن. ابن يرفع يده على أبيه، وزوجة تُقتل على يد زوجها أو العكس، وأخ يؤذي أخته، وصديق يغدر بصديقه، وعشيرة تهاجم عشيرة على قطعة أرض أو على قطع ذيل عجل كما حصل في الديوانية. وقلق جماعي يعود كل آخر شهر: هل ستصل الرواتب؟ حتى داخل العائلة الواحدة، لم يعد الاطمئنان مضموناً.
هذه ليست حوادث متفرقة، بل أعراض. فالمجتمع الذي تعلّم لعقود أن القوي يأخذ ما يريد، وأن الكذب مهارة، وأن الأخلاق رفاهية لمن لا يملك سلاحاً، لا يستغرب أن ينتقل هذا الدرس إلى غرفة النوم. والجريمة التي تقع فجأة كانت نائمة تنتظر فرصتها بين بطالة ومخدرات وفراغ وظلم لا يجد من يسمعه.
وقبل خمسة قرون سأل إتيان دو لا بويسي (فيلسوف فرنسي كتب (العبودية الطوعية) وهو في الثامنة عشرة): كيف يحكم رجل واحد ملايين البشر؟ وأجاب: لأنهم يحملونه على أكتافهم بصمتهم وخضوعهم، ويسقط حين يتوقفون عن حمله. أي أن الخوف لا يعيش وحده، فنحن من يمدّه بالحياة كلما سمّينا السكوت أماناً.
فلو انفلت الأمن حقاً، لانكشف ما كان مستوراً: كم من هيبة قامت على الخوف، وكم من علاقة قامت على المصلحة، وكم من قناع كان يتقن التمثيل. وما يستحق الخوف في النهاية ليس غياب الأمن، بل أن نعتاد على أمان بلا عدالة، فيتحول من حالة عابرة إلى هوية. والمجتمع الذي يملك العدل لا يحتاج إلى أن يخيف أحداً.




