الثلاثاء - 03 نوفمبر 2026

الشرق الأوسط على حافة الانفجار الكبير، هل تسبق التسويةُ السياسية الضربةَ الأميركية الجديدة، أم تفرض الحرب اتفاقها الأخير؟!

منذ ساعة واحدة
الثلاثاء - 03 نوفمبر 2026

د. إسماعيل النجار ||

 

 

 

المقال طويل جداً لكنه يحصي كل التفاصيل والسيناريوهات القادمه.
تحت عنوان…
الشرق الأوسط على حافة الانفجار الكبير، هل تسبق التسويةُ السياسية الضربةَ الأميركية الجديدة، أم تفرض الحرب اتفاقها الأخير؟

*بركان جهنمي يغلي في منطقة الشرق الأوسط، وواشنطن تتوعّد، وطهران تردّ، فيما تتسع احتمالات المواجهة وتتراجع مساحة الاطمئنان إلى أن الحرب، مهما بلغت حدّتها، ستبقى محصورة ضمن جغرافيا محدودة.
*لم يعد السؤال مقتصراً على ما إذا كانت الولايات المتحدة ستقدم على توجيه ضربة جديدة إلى إيران، بل بات يتعلق بطبيعة الحرب إن اندلعت مجدداً، وحدودها الجغرافية، وأهدافها السياسية، وما إذا كانت الصين وروسيا قادرتين على لجم اندفاعها، ودفع الأطراف إلى توقيع تسوية في اللحظات الأخيرة، قبل أن تتحول المنطقة إلى ساحة استنزاف دخوي وإقتصادي مفتوح.
*المشهد الراهن لا يمكن قراءته باعتباره أزمة تهديدات عابرة؛ فالمنطقة دخلت بالفعل مرحلة من المواجهة العسكرية والتداعيات الاقتصادية الخطيرة، وأصبح أي تصعيد جديد قابلاً لأن يفتح فصولاً أشد تعقيداً من الصراع.
*وفي هذا السياق، تبرز التطورات المرتبطة بمضيق هرمز، والتحركات العسكرية الأميركية، والتهديدات الإيرانية بالرد خارج النطاق الجغرافي التقليدي، فضلاً عن الضغوط الإسرائيلية، بوصفها عناصر متداخلة في معادلة يصعب اختزالها في قرار عسكري واحد.
*واشنطن وطهران إنتقلوا من سياسة الإكراه إلى مأزق الحرب المفتوحة، حيث تواجه الإدارة الأميركية معضلة استراتيجية جوهرية، هي كيف يمكن فرض شروط سياسية على إيران من دون الانزلاق إلى حرب طويلة تستنزف القدرات العسكرية والاقتصادية الأميركية، وتضع أمن حلفاء واشنطن في الخليج أمام اختبارات قاسية؟
*إن التهديد باستخدام القوة قد يرفع كلفة الرفض الإيراني، لكنه لا يضمن انتزاع التنازلات المطلوبة. فالدول التي تعتبر أمنها وبقاء نظامها السياسي على المحك قد تتجه إلى التشدد بدلاً من التراجع، خصوصاً إذا اعتقدت أن الاستجابة للضغط العسكري ستجعل الضغوط المستقبلية أكثر إغراءً لخصومها.
*ومن هنا، فإن الرهان على أن الضربات الجوية وحدها قادرة على إنهاء القدرات الإيرانية أو فرض استسلام سياسي سريع، يواجه إشكالية معروفة في الدراسات الاستراتيجية وتدمير المنشآت لا يعني بالضرورة إنهاء المعرفة، وتعطيل القدرات لا يعني محو الإرادة السياسية.
*لكن في المقابل، لا ينبغي تحويل قدرة إيران على الصمود إلى افتراض بأنها تستطيع تحمّل أي مستوى من الحرب والحصار بلا أثمان. فالعقوبات، وتضرر البنية التحتية، وتعطل الصادرات، والضغوط على العملة والاستثمار والخدمات العامة، كلها عوامل قد تتراكم مع الوقت. إنها معركة إرادات، ولكنها أيضاً معركة موارد وقدرة على الصمود والإستمرار.
*إسرائيل وترامب مختلفآن بين الحسابات الأمنية والسياسية،
فحكومة بنيامين نتنياهو تسعى إلى منع إيران من إعادة بناء قدراتها النووية والصاروخية، وترى في الضغط العسكري فرصة لإضعاف خصم تعتبره تهديداً استراتيجياً بعيد المدى.
غير أن المصالح الإسرائيلية والأميركية، رغم تقاطعها، ليست متطابقة تماماً وهي متباعدة في جوهرها.
*إسرائيل ترى في استمرار الضغط العسكري ضرورة أمنية، بينما تنظر واشنطن إلى المشهد من زاوية أوسع تشمل حماية قواتها، وأمن الملاحة، وأسعار الطاقة، والعلاقات مع الحلفاء، والتنافس الدولي، والكلفة الداخلية للحرب.
*وتكتسب الانتخابات النصفية الأميركية أهمية سياسية في هذا السياق، إذ تتجه الأنظار إلى قدرة الحرب على التأثير في أسعار الوقود، ومزاج الناخبين، وتوازنات الكونغرس. لكن من غير الدقيق افتراض أن الانتخابات وحدها ستحدد قرار الرئيس دونالد ترامب. فالنتيجة ستتأثر كذلك بتقديرات المؤسسة العسكرية، ومستوى الخسائر، وموقف الحلفاء، وما إذا كانت الضربات تحقق أهدافاً قابلة للقياس أم لآ.
والتوقيت الانتخابي قد يشجع بعض الأطراف على تأجيل التصعيد، أو قد يدفعها إلى التحرك قبله؛ إلا أن كلا الاحتمالين يظل تقديراً سياسياً لا حقيقة محسومة.
*إيران تعتبر أن مضيق هرمز السلاح الذي تتجاوز آثاره حدود المنطقة حيث يمثل هذا المضيق إحدى أكثر نقاط الاختناق حساسية في الاقتصاد العالمي. وتكمن خطورة المضيق في أن إغلاقه أو تعطيله لا يصيب خصماً واحداً، بل يضرب شبكة مترابطة من الاقتصادات، من الخليج إلى الصين والهند واليابان، وصولاً إلى أوروبا والأسواق الناشئة. وحتى إذا تمكنت السعودية والإمارات من تحويل بعض الصادرات عبر خطوط الأنابيب، فإن الطاقة البديلة المتاحة تظل محدودة مقارنة بحجم التدفقات المعتادة.
وهنا ينبغي التمييز بين ثلاثة مستويات كبيرة،
أولها إضطراب الملاحة بفعل المخاطر والتأمين وامتناع بعض الشركات عن الإبحار. وثانيها تعطيل جزئي ومتقطع لحركة السفن. أما ثالثها إغلاق واسع ومستدام للمضيق.
*هذه الحالات ليست متساوية في آثارها ولا في فرص معالجتها. وإذا امتد التعطيل لأشهر، فإن الأزمة لن تبقى أزمة أسعار نفط فحسب، بل ستتجاوزها إلى الغاز الطبيعي المسال، والكهرباء، والأسمدة، والصناعات البتروكيماوية، والنقل البحري والغذاء.
*إن إيران أيها السادة، إذا استخدمت ورقة المضيق، قد ترفع تكلفة الحرب على خصومها، وسترفعها أيضاً على شركائها التجاريين، فهل يحتمل العالم إغلاق المضائق لأشهر طويلة؟
*الجواب المنطقي والواقعي قد يتحمل العالم اضطراباً طويلاً، لكنه لن يتحمله بلا خسائر جسيمة محفوفه بالمخاطر ومنها إنزلاق الشارع نحو التحرك ضد الحكومات الحاكمه المتماهية مع سياسة الولايات المتحدة الأميركية، كما أن القدرة على التكيُّف ليست مرادفاً للقدرة على منع الأزمة.
فالمخزونات الإستراتيجية، وإعادة توجيه بعض الإمدادات، وزيادة الإنتاج في مناطق أخرى، وتغيير أنماط الاستهلاك، كلها وسائل تخفف الصدمة، لكنها لا تعوّض سريعاً جميع الكميات المُعطلة. والأخطر أن الأسواق لا تنتظر وقوع النقص الفعلي كي تتفاعل فمجرد توقع استمرار الإغلاق يرفع أقساط التأمين وتكاليف الشحن، ويؤثر في العقود والأسعار والاستثمارات. أما الدول الفقيرة والمستوردة للطاقة، فستكون في مقدمة المتضررين، مع احتمال ارتفاع التضخم وتراجع الإنتاج الصناعي وزيادة الضغط على موازنات الحكومات.
وحتى الدول النفطية نفسها قد تواجه مفارقة قاسية، ومن هنا، فإن استمرار إغلاق هرمز لأشهر ليس سيناريو يمكن التعامل معه باعتباره أداة ضغط بلا حدود.
*يبقى السؤال الأكثر حساسية هل يمكن أن تستخدم الولايات المتحدة أو إسرائيل سلاحاً نووياً ضد إيران؟
سؤال طُرِح بقوة في وسائل الإعلام العالمية لتخويف إيران، لذلك من الضروري التمييز بين القدرة العسكرية الأميركية والقدرة على إتخاذ القرار السياسي.
فالولايات المتحدة تمتلك ترسانة نووية، وإسرائيل يُعتقد على نطاق واسع أنها تمتلك أسلحة نووية، مع اتباعها سياسة الغموض وعدم الإعلان الرسمي عن ترسانتها.
لكن امتلاك السلاح لا يعني أن استخدامه أصبح خياراً مرجحاً. لإن اللجوء إلى سلاح نووي، بما في ذلك سلاح يوصف بأنه تكتيكي، سيشكل تحولاً تاريخياً بالغ الخطورة، ولن يكون مجرد امتداد طبيعي للضربات التقليدية. فالسلاح النووي التكتيكي ليس سلاحاً محدود النتائج بالضرورة إذ تتوقف آثاره على قوة التفجير، وطبيعة الهدف، والارتفاع أو ظروف التفجير، والطقس، والكثافة السكانية، وقد يؤدي استخدامه إلى خسائر بشرية وتلوث إشعاعي يتجاوزان بكثير نطاق الموقع المستهدف. وتزداد الخطورة إذا كان الهدف منشأة نووية أو موقعاً يضم مواد مشعة، حيث تختلف النتائج بحسب مكان المواد وحالتها وطبيعة الضربة، ولا يمكن الجزم بأن تدمير المنشأة سيؤدي حتماً إلى انفجار نووي مماثل لانفجار قنبلة ذرية. فذلك خلط علمي خطير بين انفجار السلاح النووي والحوادث أو التسربات الإشعاعية المحتملة. ويفتح الباب أمام روسيا لضرب أوكرانيا بالسلاح النووي، وأمام الصين التي تتوعد تايوان، وكوريا الشماليه التي تهدد جارتها الجنوبية، ويتهدد الأمن بين الهند وباكستان!.
*وتحمل هذه الخطوة، إن وقعت، مخاطر ردود عسكرية واسعة، وانهياراً إضافياً في منظومة عدم الانتشار النووي، وعزلة دولية، وتداعيات إنسانية وقانونية هائلة.
*وبناءً على منطق المصالح الاستراتيجية، فإن الاستخدام النووي ليس السيناريو المرجح في التقدير الأساسي، وإن كان لا يمكن إعلان استحالته بصورة مطلقة.
إن الردع النووي، والخشية من توسع الحرب، والضغط الدولي، كلها عوامل تجعل العتبة النووية مختلفة جذرياً عن عتبة الضربات التقليدية.
*الصين وروسيا يلعبان دوراً مهماً في سبيل إيقاف النزف فهل تستطيعان إنقاذ المنطقة من دمار وشيك؟
*الجواب نعم لإن بكين وموسكو يمتلكان أوراقاً دبلوماسية واقتصادية وسياسية مؤثرة، لكنهما لا يمتلكان زرّاً سحرياً يوقف الحرب المجنونة. فالصين تحتاج إلى استقرار تدفقات الطاقة والتجارة، وتستفيد من منع الولايات المتحدة من تحقيق مكاسب استراتيجية مجانية، لكنها لا تملك بالضرورة مصلحة في حرب شاملة تعطل تجارتها وتربك اقتصادها.
*أما روسيا، فلديها مصالح استراتيجية مع إيران، وتسعى إلى الحد من النفوذ الأميركي، لكنها تواجه أيضاً حساباتها العسكرية والاقتصادية وعلاقاتها الدولية. ومن المرجح أن تكون الوساطة الصينية أكثر فاعلية حين تقترن بضمانات اقتصادية ومصالح تجارية، فيما يمكن لموسكو أن تؤدي دوراً سياسياً في الاتصالات وتنسيق المواقف. لكن الوساطة لا تنجح لمجرد أن القوى الكبرى تريدها؛ بل حين ترى الأطراف المتحاربة أن التسوية أقل كلفة من الاستمرار في الصراع.
*ولهذا قد يكون الدور الحاسم لوسيط قادر على جمع واشنطن وطهران، مع دعم صيني وروسي، ومشاركة إقليمية تشمل عُمان وقطر وباكستان، بحسب قنوات الاتصال المتاحة.
*أما السعودية وتركيا ولبنان يرتجفون من اتساع دائرة المخاطر،
حيث تحاول دول الخليج تفادي التحول إلى ساحات مواجهة مباشرة، وهو توجه مفهوم في ضوء هشاشة منشآت الطاقة وأهمية الملاحة والمراكز المالية. لكن تحييد الأراضي لا يضمن تحييد المصالح؛ فالدولة التي تستضيف قواعد أو تقدم دعماً لوجستياً قد تجد نفسها تحت ضغط أطراف الحرب، حتى إن لم تكن راغبة في المشاركة فيها.
*لبنان وحده يبقى من أكثر الساحات هشاشة، في ظل احتمالات تداخل المواجهة الإيرانية الأميركية مع الصراع الإسرائيلي اللبناني. وأي توسيع للجبهة قد يضاعف الخسائر المدنية ويزيد الضغوط على الاقتصاد والبنية التحتية والنزوح.
لذلك إن اتساع الحرب لا يحتاج إلى قرار موحد من جميع الأطراف؛ لأنه قد ينتج سلسلة ردود متبادلة وسوء تقدير، بحيث تصبح كل ضربة مبرراً للضربة التالية.
*فأي السيناريوهات أقرب للمنطق إتفاق مآ قبل الضربة أم بعدها؟
هنا يمكننا رسم ثلاثة سيناريوهات رئيسية،،،
*السيناريو الأول؛ تسوية قبل تصعيد جديد.
وهو مسار ممكن إذا توصل الطرفان إلى تفاهم مرحلي بشأن الملاحة ووقف الهجمات والضمانات النووية، مع تأجيل القضايا الأكثر تعقيداً إلى مفاوضات لاحقة.
*السيناريو الثاني؛ ضربة محدودة يعقبها تفاوض.
وقد تراهن واشنطن على أن استخدام القوة سيحسن شروطها التفاوضية، لكن هذا الرهان ينطوي على خطر أن يأتي الرد الإيراني أوسع مما تتوقعه، أو أن تفشل الضربة في تحقيق أهدافها.
*السيناريو الثالث إستنزاف متبادل طويل الأمد. وهو الأخطر اقتصادياً وسياسياً، إذ تتكرر الهجمات والردود، وتتضرر الملاحة والطاقة، ويزداد تدخل القوى الإقليمية والدولية.
ولا يمكن الجزم بأي من هذه السيناريوهات بوصفه نتيجة حتمية. كما أن الاتفاق قد يأتي قبل ضربة جديدة، أو بعد تبادل ضربات، أو عبر وقف مؤقت للعمليات يمهد لتفاهم أوسع.
لكن التسوية الأكثر واقعية ليست اتفاقاً شاملاً يحل كل خلافات واشنطن وطهران دفعة واحدة، بل تفاهم تدريجي يبدأ بمنع الهجمات على السفن والمنشآت، وضمان حرية الملاحة، ووضع ترتيبات نووية قابلة للتحقق، ثم الانتقال إلى الملفات السياسية والعقوبات والأمن الإقليمي.
*إذاً هذه الحرب لا يملك أحد ضمانة نهايتها، لإن الشرق الأوسط يقف أمام مفترق طرق بالغ الخطورة، لكن الواقعية الاستراتيجية تقتضي عدم الخلط بين ارتفاع منسوب التهديدات وبين حتمية الحرب الشاملة، وبين الاستعداد العسكري والقرار النهائي باستخدام القوة. وقد تعتقد واشنطن أن الضغط سيجبر طهران على التراجع، وقد تعتقد إيران أن قدرتها على الصمود وتهديد الملاحة ستفرض على خصومها إعادة الحسابات، فيما ترى إسرائيل أن الوقت يعمل ضد مصالحها الأمنية. لكن هذه الحسابات الثلاثة قد تتصادم مع حقيقة واحدة أن الحرب لا تضمن لأي طرف النتيجة التي يريدها. إن العالم قد يتكيف مع صدمة الطاقة، لكنه لا يستطيع إلغاء آثارها، وقد تتحمل بعض الدول شهوراً من الاضطراب، فيما تنهار اقتصادات أخرى تحت وطأته. ولذلك، فإن السؤال الاستراتيجي الأهم ليس من يطلق الصاروخ الأخير، بل من يمتلك القدرة على تحويل التفوق العسكري أو الصمود السياسي إلى تسوية قابلة للحياة.
ففي الحروب الكبرى، ليست الحكمة أن ينتصر طرف في معركة ثم يكتشف أنه خسر استقرار المنطقة والعالم. واللحظة الأخيرة التي ينبغي أن تسعى إليها الدبلوماسية ليست لحظة توقيع اتفاق تحت وابل النار، بل اللحظة التي يدرك فيها الجميع أن كلفة الاستمرار أصبحت أعلى من كلفة التنازل المتبادل. ذلك هو الاختبار الحقيقي لواشنطن وطهران وتل أبيب، وللقوى الدولية التي ما زالت تملك فرصة لمنع الانفجار الأكبر.

بيروت في،،،3/11/2026