تائهون بين شاشات العصر وجوهر التربية: متى نستعيد بوصلة الأجيال؟!
ريما فارس ـ كاتبة لبنانية ||

نعيش اليوم زمنًا تسارعت فيه عجلة الحياة بشكل غير مسبوق، حتى وجد الكثير من الآباء والأمهات أنفسهم في حيرة من أمرهم. لقد تغيرت أدوات العصر؛ فبعد أن كانت ألعاب الأطفال تقتصر على الحصى والرمال والبساطة، اقتحمت الشاشات الذكية، والكمبيوتر، والإنترنت بيوتنا دون استئذان. ومع هذا التطور المادي والتكنولوجي، يبرز السؤال الأهم والأخطر: هل فقدنا جوهر التربية الصحيحة؟
لقد انصبّ اهتمام الكثير من العائلات في عصرنا الحالي على النجاح الأكاديمي والتحصيل الدراسي فقط؛ فأصبح المعيار الوحيد للابن الصالح هو الحصول على أعلى العلامات والمعدلات. ولكن، ما قيمة هذا النجاح إن خلا من العمود الفقري للتربية، ألا وهو الجانب الروحي والأخلاقي؟
إن التربية الحقيقية تبدأ من غرس مخافة الله تعالى في قلوب الأبناء، وتعويدهم على الصلاة، وتثبيت قيم الصدق والأمانة والابتعاد عن الحرام والسرقة. كما لا يمكن غض الطرف عن خطر رفاق السوء في هذا الزمان؛ فالصاحب ساحب، وما يبنيه الأهل في سنوات قد يدمّره رفيق سوء في لحظات. وما ضعفت هذه المبادئ في نفوس الأبناء إلا لأن بعض الأهل أنفسهم باتوا يفتقدونها وسط زحمة الحياة، فـ”فاقد الشيء لا يعطيه”.
ولكي نعيد بوصلة التربية إلى مسارها الصحيح، لا بد من العودة إلى المنهج الحكيم في التدرج مع الطفل بحسب مرحلته العمرية، عملاً بالمعنى النبوي الشريف والتوجيه المأثور: “اتركوهم سبعاً، وعاقبوهم سبعاً، وصادقوهم سبعاً”؛
بدءاً بمرحلة الطفولة الأولى القائمة على الحب والملاطفة واللعب لبناء الأمان العاطفي، مروراً بمرحلة التوجيه والتأديب وغرس الفرائض والمسؤوليات، وصولاً إلى مرحلة الشباب والمصادقة حيث يتحول الأهل إلى أصدقاء مقربين يستوعبون أبناءهم بالحوار المفتوح لامتصاص أي تمرد. وتكمن المعضلة الكبرى اليوم في التذبذب بين طرفين كلاهما خطر:
فإذا أعطينا الولد كل ما يطلبه فوراً، نشأ بشخصية اتكالية وفرض على أهله سقف طلبات لا ينتهي، وإذا جفينا عليه ومنعناه من كل شيء بحجة التربية الصارمة، نشأت في قلبه عقدة النقص وتولدت لديه رغبة دفينة في الانتقام والعناد عند الكبر.
والحل يكمن دائماً في التوسط والعقلانية؛ نلبي حاجاتهم المادية بالقدر المتوازن ونعلمهم قيمة النعم، مع إغداق الحب والعاطفة غير المشروطة، مستحضرين قول النبي صلى الله عليه وعلى آله في الحديث الشريف: «كُلُّكُمْ رَاعٍ، وَكُلُّكُمْ مَسْؤولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ»، ليظل أبناؤنا غراسنا الصالح الذي يجمع بين نور الإيمان وحكمة التعامل.
ريما فارس




